Rechercher dans ce blog

lundi 8 février 2010

لمحة عن تاريخ مدينة مازونة

تعتبر مازونة مدينة قديمة و ذات أصالة تمتد بتاريخها إلى جذور الحضارات الغابرة مكثت بها العديد من العلماء للدراسة و البحث العلمي و بالتالي تعد منارة العلم و منهل الحضارة.
متى تأسست مدينة مازونة ؟ و من مؤسسها ؟ و ما يعني اسمها ؟
أما عن تأسيسها و ان كان مجهولا بالضبط فهو متفق أنه يرجع إلى عهد الرومان، و يبرهن عن هذا المؤرخون بوجود آثار رومانية و قطع من النقود الرومانية وجدت بمازونة ، و لقد وصف مازونة بالتفصيل المؤرخ الادريسي الذي توفي سنة 548 هـ ، فيتكلم الادريسي عن انهارها و بساتينها الخلابة، و أسواقها العامرة و مساكنها الجميلة، و هذا يعني أن المدينة قديمة حينذاك و كانت عرفت تطورا و استمرارية منذ قرون خلت.
مازونة بلدة قديمة أسسها الرومان ، و هكذا يقول كذلك الاسباني ّمارمولّ الذي جال في المغرب في القرن السادس عشر و يعتمد في هذا على وجود الاثار الرومانية و اللوحات المنقوشة.
تؤكد البحوث الأكيولوجية أن مازونة كانت موجودة في عهد الرومان مثل ابن خلدون الذي يزعم أن مازونة أسسها عبد الرحمن رئيس مغراوة قبيلة بربرية تنتمي إلى ّزناتة ّ.
أما أبو راس فيعين تأسيسها في سنة 565هـ و يصرح محمد بن يوسف الزياتي في كتابه : " دليل الجبران " أن مازونة حطمت سنة 665 هـ هذا يعني أنها كانت موجودة. و الحقيقة أن كل هذا غامض ، و ما عدا بعض الاحجار و الألواح المنقوشة ، فلا شيء يبين لنا بالضبط تاريخ تأسيس المدينة ، كأن المدن العتيقة مثل مازونة غيورة على سمعتها ، تخفي أسرارها إلى الأبد.
أما عن الاسم ، فقد كثرت الروايات ، فهناك ما قرأناه في الكتب و هناك ما سمعناه من آبائنا ، سنرتب الروايات حسب تقربهم بالحقيقة نسبيا، يقال أن :
· مازونة كلمة تعني أرض الرجــــال الأقوياء
· مازونة نابعة من ( مسن ) بلدة رومانيـة
أما بالنسبة لدامغت فمسن اسم ملك روماني و أخوه مديونة.
و يحكى أن مازونة كانت تحكمها ملكة تتكسب كنزا كله من قطع نقدية كانت تسمى موزونة أو أن اسمه ماتع كان يرعى غنمه في المكان الذي تأسست فيه المدينة فرجع للأهله يمدح مزايا المرعى فوصف المحل و قارنه بتلك القطعة التقليدية التي تسمى موزونة لكون المحل محاطا بالجبال أما بالنسبة لمحمد بن يوسف "الزياتي " فاسم مازونة مشتق من "مازون" جد قبيلة من زناتة.
و حكى لنا أن ملكا حط رحاله أثناء مروره بمازونة بجبالها و كانت ترافقه بنته و اسمها زونة فطلب من رجاله أن يحضروا لها ماءا، فلما وجدوا المنبع حرموه على الغير و قالوا هذا ماء زونة.
لقد لعبت مازونة دورا هاما و خاصة في القرن الثاني عشر و هذا راجع إلى موقعها الجغرافي . فكانت مركزا اقتصاديا تمهن أهاليها التجارة، و الصناعات التقليدية و دورها راجع أيضا و خاصة لاشعاعها الثقافي.
و جاء عهد الأتراك و كانت مازونة عاصمة البيلك و منها أطلقت بعثات لتحرير وهران من الاسبان منذ سنة 1543.
يعرفنا المؤرخ "مسلم بن عبد القادر" ببعض القادة الذين انطلقوا من مازونة مثل الباي "بن خديجة" و الباي "صواق" و السايح و شعبان الزناقي الدي استشهد في الكفاح ضد الاسبان سنة 1687 و دفن خارج مدينة وهران.
لا يفوتنا أن نذكر في هذا الاطار مشاركة المتطوعين من مازونة و الطلبة في هذه المعارك لتحرير وهران ، و أروع مثل لهذا التجنيد ، هو ذهاب العالم الشهير الشيخ "محمد بن علي أبو طالب المازوني" على رأس مئاتي طالب و كان عمره يتجاوز الثمانبن سنة. فذهب إلى معسكر ثم إلى وهران ماشيا و امتنع عن الركوب و ترك راحلته للمرضى من طلبته و أضافه الباي إلى أعضاء قيادة الرباط و بعد الفتح بنت له الدولة التركية مدريته الفقهية الشهيرة بمازونة و مازالت المدرسة تحتفظ بجزء من صحيح مسلم أهداه الباي "عثمان" للفقيه سنة 1212هـ. بهذا يخبرنا المهدي البوغبدلي في تقديمه لكتاب "أحمد بن محمد بن علي بن سعنون الراشيدي:
خرج الشيخ "أبو طالب يكافح الاسبان هو و ولد سيدي هني الذي استشهد اثر جروحه في المعركة و يقال أنه مات في القرية التي تسمى اليوم "بوهني"و هو مدفون بمازونة.
و بالنسبة للمدرسة الغتيقة الشهيرة كان يتوافد عليها طلبة من كل الارجاءو حتى من المغرب الأقصى. أسس المدرسة الشيخ محمد سيدي امحمد بن الشارف في 1024 هـ و هي تحمل اسمه و درس بها 64 سنة إلى أن توفي سنة 1164هـ كان يدرس فيها مختصر خليل "ابن اسحاق موسى" الفقيه المالكي الذي توفي في القاهرة ستة 1374.
يتولى نفقة الطلبة سكان مازونة(الرتبة) و التعليم كان مجانا.
من أشهر العلماء الذين درسوا بالمدرسة المذكورة : الشيخ ابن الشارف ثم ابنه الشيخ أبو طالب هذا الذي شارك مع طلبته في تحرير وهران من الاسبان حيت استشهد ابنه سيدي هني ثم حفيده الشيخ سيدي أحمد ، و هكذا من أب إلى ابن إلى الشيخ "سيدي بوراس" ، حيث توفي سنة 14/05/43 أخوهم الشيخ "سيدي محمد بن عبد الرحمن" و اضمحلت أهمية المدرسة و سقط المشغل ، و من أشهر من توافد على هذه المدرسة: الشيخ " محمد بن عبد المؤمن " المعروف باسم "مصطفى الرماصي" و "محمد بن علي السنوسي المجاهري" مؤسس زاوية السنوسية في ليبيا و الشيخ " محمد بن أحمد بن عبد القادر المعروف باسم أبو راس المعسكري و الشيخ محمد بلقندوز المستغانمي، و الشيخ أبو راس المعسكري هو جد الشيخ أبو راس المازوني الذي درس في مدرسة مازونة سنة 1916. هكذا بقيت مازونة مدينة العلوم الاسلامية و استمرت مدرستها حت صارت مازونة تعرف بمدينة العلماء و من تخرج من هذه المدرسة من الطلبة كان يستحق كل التقدير و الاحترام. هكذا كانت مازونة و هكذا بقيت : بلاد المجاهدين صمدت أمام كل الحروب و شاركت في اخراج الاسبان من الوطن.
و صمدت أمام الاحتلال الفرنسي و ما انتهت ثورة الظهرة إلا في 1847 نتيجة الأوبئة و الصعوبات المتعددة و في 1974 دخل أول المعمرين و اغتصبت الأراضي الخصبة من سكان مازونة (2700 هكتار تقريبا) و تم إنشاء قرية "رونو" RENAULT سيدي امحمد بن علي حاليا و دفعت الثمن غاليا بمشاركتها في حرب التحرير اذ أرسلت إلى جبالها خير شبابها و في مازونة لم تحصى دار إلا و فيها شهيد أو اثنان أو أكثر.


مــدارس العلم والقرآن بالغرب الجزائري
منذ القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي(قــراءة تاريخية)

مدخل عام:
أجمع الدارسون أن العصر مدار المداخلة، هو عصر الفتن والحروب بين دول المغرب الإسلامي ورثة حكم الموحدين منذ منتصف القرن السابع الهجري، وأكبر ضحايا هذا الصراع دولة بني عبد الواد بتلمسان، حيث وقعوا بين فكي كماشة ما بين طموحات الحفصيين في تونس، والمرينيين في المغرب الأقصى، كما كان النزاع السياسي على السلطة بين الأسرة العبد وادية قائمًا على أشده، وما زاد في عنف الدولة الزيانية هو صراعها الطويل مع قبائل بني توجين وتحالف هذه القبائل مع خصوم الدولة في تلمسان، كما قام الصراع العنيف في الجهة الشرقية في عهد الحفصيين، وظهرت بالجهة الشرقية حواضر ثلاثة، قسنطينة وبجاية وبونة وفي أحيان كثيرة تستقل هذه الحواضر عن الحاضرة تونس، كما عاشت الواجهة البحرية صراعا مريرًا مع الممالك الأسبانية ومملكة البرتغال مما عجل بسقوط غرناطة حاضرة الإسلام المحاصر في أقصى الجنوب الغربي الأوروبي، والصراع الدائر بين الأخوة الأعداء هو الذي عجل بسقوط غرناطة أمام غياب المتطوعة من العلماء والزهاد من أهل العدوة المغربية، وكان الريف يشهد صراعًا قبليا مريرًا مما يدل على محنة المجتمع في القرن العصيب، القرن الرابع عشر، وهو قرن سقوط وتراجع قوة المسلمين وصعود الغرب اللاتيني الكاثوليكي الصليبي الذي نقل لنا أحقاده إلى ديارنا في مطلع القرن السادس عشر.
حواضر العلم بالغرب الجزائري
كانت المؤسسات التعليمية من العوامل الهامة التي أثرت في الحياة العلمية في الغرب الإسلامي، ولكن دور هذه المؤسسات اختلف من فترة إلى أخرى ويمكن تقسيم المؤسسات التعليمية إلى أربعة أنواع:
1.مؤسسات تعبدية...واستخدمت للتعليم، وتتمثل في المساجد، وهي أقدم أماكن للتعلم الإسلامي بالغرب الإسلامي.
2.مؤسسات أوقفت على التعليم وحده متصلة بالمسجد حينًا، ومنفصلة عنه حينًا آخر(وهي الكتاتيب).
3.مؤسسات تعبدية جهادية...مثل الأربطة أو الرباطات، والزوايا ولكنها استخدمت للتعليم، وحفظ الشعائر ونشر القرآن الكريم خاصة.
4.التعلم في المنازل...وهو إما خاص أو عام...فالأول في منازل المؤدبين والثاني في منازل العلماء.
ولا يهمنا كثيرا الحديث عن هذه المؤسسات فد تكلف بها المؤرخون في دراسات تفصيلية لمن أراد أن يراجعها في مضانها، بقدر ما نهتم بطرق التربية والتعليم السائدة في حواضر الغرب الجزائر الجزائري انطلاقًا من المنهج المتبع في تحديد تاريخية المؤسسات القائمة على نشر وبث المعرفة وعلوم الإسلام عامة.
ومن أعلام المنطقة حفظة العلم والقرآن الكريم نذكر:
أبو زكرياء يحيى بن موسى (أبي عمران) ابن عيسى بن يحيى أبو زكريا المغيلي المازوني وهو فقيه مالكي من أهل مازونة من أعمال وهران، ولي قضاء بلده، توفي بتلمسان سنة 883هـ/1478م.له الدرر المكنونة في نوازل مازونة وهي فتاوى ضخمة في ديوانين في فتاوى معاصريه من أهل تونس وبجاية والجزائر وتلمسان وغيرهم ومنه استمد الونشريسي مع نوازل البرزلي وغيرها.رحل إلى تلمسان حاضرة بني زيان، فأصح أحد أبرز وجوهها العلمية في الفقه المالكي.تتلمذ المازوني على جلة من العلماء وهم:
والده موسى بن يحيي بن عيسى الفقيه الأجل والمدرس المحقق والقاضي المحقق صاحب كتاب"ديباجة الافتخار".كما أخذ المازوني العلم عن ابن مرزوق الحفيد(842هـ/1438م)، وقاسم بن سعيد العقباني(854هـ/1450م)، وأبي العباس أحمد بن زاغو المغراوي(845هـ/1441م)(1)، وأبو عبد الله القاضي الشريف المدعو حمو الشريف(833هـ/1429م).
قال أحمد بن يحيى الونشريسي صاحب المعيار تلميذ المازوني :"الصدر الأوحد العلامة العلم الفضال ذي الخلال السنية، سني الخصال شيخنا ومفيدنا وملاذنا وسيدنا، ومولانا وبركة بلادنا أبي زكريا سيدي يحيى.وهو من العلماء الكبار الذين تناولوا الفتوى، وأصبحوا مرجعية فقهية، ولم يتوظف بعلمه عند السلطة.وكانت فتاوى المعيار والمازوني دائرة على فقه مالك بن أنس، لأنه المذهب الذي كان يتبعه جميع السكان باستثناء أتباع المذهب الإباضي(2).
وهكذا أصبح العلماء والقضاة، حسب نوازل المازوني، هم الذين يقومون بالسهر على تنفيذ القانون، وأنَّى لهم ذلك في مجتمع يسوده الفساد والاضطراب(3).
وعرفت مازونة بعدد من الفقهاء أمثال موسى بن عيسى صاحب "ديباجة الافتخار في مناقب أولياء الله الأخيار"، و"حلية المسافر وآدابه وشروط المسافر في ذهابه وإيابه"وهي من المجامع الفقهية الكبيرة المفقودة، وابنه يحيى صاحب الدرر المكنونة في النوازل المذكور أعلاه، أما مدينة الجزائر، فقد اشتهرت بزاهدها وعالمها عبد الرحمن الثعالبي، وتلميذه أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي (ت.884هـ/1480م)صاحب اللامية المشهورة في العقائد التي شرحها الشيخ السنوسي(865هـ/1456م)، كما اشتهرت وهران بالعالمين المتصوفين محمد الهواري وتلميذه إبراهم التازي وأبي العباس أحمد بن أبي جمعة المغراوي الوهراني(920هـ/1514م) صاحب الفتوى الشهيرة إلى الموريسكيين من أهلنا بالأندلس و"جامع جوامع الاختصار في والبيان فيما يعرض للمعلمين وآباء الصبيان" في تربية الأولاد وتعليمهم وولده أبي عبد الله محمد بن أحمد المغراوي الوهراني المعروف بشقرون الوهراني، صاحب "الجيش الكمين لقتال من كفر عامة المسلمين" وصاحب منظومة في القراءات التي نظمها حسب المحقق البوعبدلي عام 899هـ/1494م.
مدارس العلم والقرآن الكريم بالغرب الجزائري
لقد ترك العصر بصماته على شخصية الفقيه النوازلي المازوني مما أفادنا فائدة كبيرة عن حالة الريف والمدينة بما فيها أقاليم أخرى في شرق البلاد، كبجاية وريف الصومام، مبرزًا عادات وتقاليد العلماء والرعية والمتصوفة والمرابطين الذين انحرفوا عن رسالة المتصوفة فقد سجل عليهم انحرافهم عن الشرع وأحكامه.وأورد في هذا فتوى عبد الرحمن الوغليسي، الذي سئل عن مرابطين يتقدمون على أصحابهم فيحددون ما يجب عليهم من الزكاة أو قطيع الأرض للرجل المذكور أو شبهه إما ثلاثين ذهبًا أو أربعين أو أقل أو أكثر ويترك لهم...فهل تجوز لهم التمسك بذلك، أجاب الوغليسي بعدم الجواز لأجل الفقه والجاه، والضعفاء والمرضى أولى بزكاة هؤلاء(4).
لقد كان لعلماء مازونة وصلحاء سهل الشلف والريف الغربي عامة الدور الكبير في المحافظة على تماسك المجتمع ووحدته في مواجهة أهل الزيف والانحراف، وقد عاصر وتتلمذ على يد المازوني النوازلي كبار فقهاء القرن العاشر الهجري من أمثال العلامة أحمد بن يحيى الونشريسي صاحب المعيار الذي ترك سيرة حسنة وعلمًا ينتفع به إلى اليوم.
يرجع الفضل في بروز مدينة مازونة إلى الوجود كحاضرة علمية إلى الهجرة الأندلسية التي استقرت بها فأسست بها هذه الجالية الموريسكية زراعة وصناعة فأصبحت شبيهة بقراهم ومدنهم الأندلسية وكنا قد أشرنا في عمل سابق لنا أن كل مدينة تظهر بالمغرب الأوسط ناتجة عن استقرار الأندلسيين الفارين بدينهم من أسبانيا ومحاكم التفتيش، وعلى سبيل التمثيل لا الحصر نذكر الهجرة الموريسكية إلى مازونة، فبها ظهرت مدرسة مدينة مازونة التي أقامها الشيخ محمد بن الشريف البولداوي، وهي نموذج من نماذج مدارس الجهة الغربية من المغرب الأوسط(5).
ثم أسس الفقيه العارف محمد بن علي الشارف المازوني مدرسة تربوية بمازونة في بداية القرن الحادي عشر الهجري، وقام بالتدريس فيها إلى أن لقي ربه، ثم تجدد ازدهار المدرسة على يد الشيخ أبو طالب محمد بن علي، في بداية القرن الثاني عشر الهجري، وخلفه على المدرسة أخوان من أبرز تلامذة المدرسة هما: الشيخ محمد بن هني وشقيقه الشيخ عبد الرحمن بن هني(6).
أما أشهر طلبة هذه المدرسة فهو الفقيه العالم محمد أبوراس الناصر المعسكري المولود عام 1150هـ/1737م بقلعة بني راشد قرب معسكر، استوعب علوم عصره وكان من طلبة مازونة النجباء، توفي عام 1238هـ/17 أبريل 1823م.ترك ثروة فقهية وعلمية كبيرة وسلسلة طويلة البعض مفقود والبعض مخطوط، فقد خلف وراءه مائة وستة وثلاثين مخطوطة بين قصيرة وطويلة، ولم يطبع منها إلا اثنان(7). الأول: فتح الإله ومنته في التحث بفضل ربي ونعمته أو حياة أبي راس الذاتية والعلمية، نشره محمد بن عبد الكريم الجزائري رحمه الله بالجزائر عام 1990م والسيرة في حوالي 185 صفحة من الحجم الكبير، وهي سيرة مميزة تدخل في باب السيرة العلمية، وهي تجربة غنية صادقة عن حواضر وأعلام الجزائر في عصر أبي راس الناصر المعسكري، وهو الذي عاصر قرني المصاعب والكوارث خلال القرنين الثامن عشر وعقدين من القرن التاسع عشر، والكتاب الثاني/عجائب الأسفار وقد طبع مترجمًا إلى الفرنسية من طرف السيد أرنو.نشر كاملا عام 1885م، بعد أن نشره على حلقات في المجلة الإفريقية.
ومما يبرهن عن أهمية مدرسة مازونة الفقهية ما جاء على لسان أبي راس الناصر قال سألني الشيخ محمد بن لبنة عن وجهتي، فقلت له ذاهب إلى مازونة، قال لما؟ قلت: لقراءة الفقه، فقال: والقرآن؟ فقلت له: نعرفه بأحكامه وأنصاصه وما يتعلق به، فحفظت في مازونة مختصر خليل وفهمته معنى ولفظًا في عامي الأول، ثم قرأت للطلبة الفرائض، وتتلمذ على الشيخ العلامة الناصح محمد بن القندوز المستغانمي(8)، الذي تتلمذ عليه محمد بن علي السنوسي المستغانمي بعد أن حفظ قدرًا من الكتاب والفقه على يد كفيلته العالمة الفاضلة عمته فاطمة في بوقيرات، وكان هذا العالم الفذ سيدي محمد بن القندوز قوالا للحق فقتله الباي حسن، مما أدى إلى هجرة السيد السنوسي الكبير الفقيه مجدد سيرة محمد بن عبد الوهاب بالغرب، في ليبيا والجزائر وتشاد والصحراء الكبرى.
وممن درس وتخرج في مدرسة مازونة الشيخ عدة بن غلام الله مجدد الطريقة الشاذلية ومؤسس الزاوية في جبل محنون بضواحي تيارت، منهم محمد بن العالم قاضي منطقة بركان، والمأمون بن العالم باش عدل وجدة، بالمغرب الأقصى.
أبو راس الناصر شخصية علمية محترمة صال وجال مشرقًا ومغربًا، ومحمد أبو راس الراشدي المعسكري(1165-1238هـ/1751-1823م) وما يعنينا أنه ممن اتهم بانتمائه إلى ثورة درقاوة على السلطة العثمانية عام 1217هـ/1802م وهو من وجهاء وأعيان الجزائر في عصره وقد كتب(درء الشقاوة في حروب درقاوة) وهي الحروب التي عرفت أيام ولاية مصطفى باشا على الجزائر.وأشار إلى ثورة درقاوة، وهي ثورة عنيفة كادت تعصف بالسلطة العثمانية، وقد تكون الثورة بإيعاز من سلاطين المغرب، وقد ألف فيها أبو راس كتابًا هو في حكم المفقود(9).
إن الاختلاف الواقع بين الباحثين حول مصطلح مدرسة، يرجع بالضرورة إلى المناهج المعتمدة في فهم ما يمكن أن نعرف من المصطلح، وقد اتفق أهل الفقه مثلا أن المدرسة المالكية تتكون من الشيوخ والعلماء والفقهاء الذين كونوا الميراث الفقهي للمذهب المالكي وهم مدرسة الأثر من الصحابة من عمر وابنه وعلماء المدينة السبعة من التابعين إلى إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي (ت.179هـ/)، ثم المدرسة المصرية عبد الرحمن بن القاسم وأضرابه ومن أخذ عنه أقاويل مالك بن أنس إلى تأسيس المرجعية الفقهية الممثلة في المدونة.
المدرسة المغربية ممثلة في أسد بن الفرات وعلي بن زياد وابن حبيب وغيرهم من علماء إفريقية والأندلس، وهؤلاء جميعًا، يمثلون مصادر المالكية ومرجعيتهم الفقهية مع ما تميز به كل تيار وبلد في نقلهم وشرحم واجتهاداتهم داخل مصادر المالكية عامة(10).
لقد كانت مازونة مدرسة وحاضرة فقهية، ولا نعدم البحث في تراث هذه الحاضرة التي كانت في يوم ما عاصمة بايلك الغرب الجزائري فنعثر على مصادر دفينة تمكننا من سد فجوات كبيرة في ميراثنا الفقهي خاصة والعلمي عامة.
لقد كان لزوايا العلم والمعرفة المكانة الكبيرة في الحفاظ على القرآن والسنة النبوية، فلا تخلو حاضرة أو قرية أو تجمع ريفي بالغرب الجزائري إلا وفيه للعلم والمعرفة زاوية مشهوة أو شيخ رباني قعد للتدريس وتهذيب الناشئة، راجيا من الله التوفيق والسداد.
اكتشاف حركة إصلاحية نموذجية
(السنوسية ومنبتها الأصلي بوقيارت(مستغانم) بالغرب الجزائري)
تُنْسَبُ هذه الحركة السياسية والدينية إلى السيد: محمد بن علي بن السنوسي بن العربي الأطرش بن محمد بن عبد القادر بن أحمد شهيدة ويرجع في نسبه إلى الفرع الإدريسي (من خلال إدريس الأزهر(الأصغر )باني فاس ابن الإمام إدريس الأكبر أول ملوك الأدارسة.
وكانت السنوسية دعوة من الدعوات الصالحات التي أعادت للمسلمين في إفريقيا والصحراء الكبرى مكانتها التاريخية حيث كانت طريقة تمتاز بوضوح مناهجها في الدعوة والإصلاح، حيث دعت إلى إحياء الدين الإسلامي ومحاربة الجمود ونبذ البدع ومؤسسها أصيل محلة الواسطة على ضفتي وادي شلف وأسرته من قبيلة مجاهر التي ينضوي تحتها ما يزيد عن سبعين ألف نفس ولا تزال مستغانم مقرًّا لهذه الأسرة، وقد أسس ابن السنوسي الحركة المنسوبة إلى جده السنوسي.
**السنوسية النشأة والمسار الفكري والتاريخي**
أسس محمد بن علي بن السنوسي حركته على تقوى من الله، فقد ولد ببوقيرات بضواحي مستغانم سنة 1202هـ/1787م في أسرة شريفة ينتهي نسبها إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما، وينتهي إلى قبيلة بني سنوس التابعة لمقاطعة تلمسان، وإليها نسب، كما نسب إليها طريقته الإصلاحية، تخرج في مدرسة مازونة الشهيرة، ودرس بفاس ومصر ومكة المكرمة بعد هجرته من الجزائر أثناء الحصار العسكري والاقتصادي الفرنسي للجزائر حوالي عام 1824م نال ابن السنوسي حظًّا وافرًا من التربية والتعليم عن طريق عمته فاطمة المرأة الشريفة العالمة التي كانت تجيز العلماء بما تملك من مرويات عالية السند في الفقه والحديث وعلوم القرآن الكريم، وكان عمدته في التصوف أبو العباس أحمد بن إدريس، وإليه ينتسب أيضًا.
وقبل هجرته إلى المشرق كما كان يفعل علماء السلف من أهل المغرب الإسلامي، عاد إلى مستغانم وتزوج من إحدى بنات عمومته ثم نشب بينه وبين أقاربه الأدنين خلاف حول أملاكه واحتكم للقضاء فحكم له بالأملاك والريع وبالسجن لأقاربه فتنازل عن الريع وطلب إخلاء سبيلهم فكان له ذلك، ثم إنه بعد أن صفَّى أملاكه انتقل إلى عرب أولاد نايل وأسس زاوية بمسعد وتزوج من كريمة من كريمات القبيلة، ومارس الوعظ والإرشاد والتعليم مدة ثم غادر أولاد نايل في طريقه إلى مصر.
غادر ابن السنوسي مسعد والجزائر عامة بعد أن طلق زوجته التي رفضت الانتقال معه لمشقة الطريق ولصعوبة المهمة التي ينوي القيام بها الداعية المصلح فولدت له ولدًا توفي وهو صغير ثم ماتت أمه بعد ذلك في حياة زوجها ابن السنوسي، ودخل ابن السنوسي تونس وقابس وجامع الزيتونة واستفاد من شيوخها وأفاد طلاب العلم بالتدريس والوعظ ثم واصل سيره ودخل طرابلس الغرب وكان ذلك في حكم يوسف القرمانلي الذي كان مستقلا عن الدولة العثمانية، فأكرم نزوله ومكث في مدينة طرابلس مدة ثم انتقل إلى القاهرة وبقي بها مدة ثم غادرها إلى الحجاز.
نزل ابن السنوسي مكة حوالي 1242هـ/1827م،وكانت لهذه الرحالة مكانة كبرى في حياته العلمية والسياسية والإصلاحية حيث ساعدته جملة من العوامل:
1. استطاع محمد بن علي السنوسي الحصول على أنباء عظيمة الفائدة عن حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
2. أُتيحت له فرصة عظيمة للاحتكاك بالعلماء في مكة وتبادل معهم الآراء حول التغيير والإصلاح مما نفعه في حياته المستقبلية.
3. كانت مكة منبرًا للدعوة ولذلك اشتغل السنوسي بنشر العلوم وتحصيلها والمناظرة فيها، واجتهد في دراسة المذاهب الإسلامية حتى حذق مخاطبة جميع العالم الإسلامي.
4. أتيحت له دراية بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قرب وعاشر أتباع الدعوة السلفية ومريديها وتتلمذ على علمائها وشيوخها ودرس الحركة السلفية التي أقامها الشيخ دراسة واعية في مواقفها السياسية واجتهاداتها العملية.
ولا يعرف قيمة المصلح والعالم إلا بقيمة التحصيل والنباهة والإدراك الذي شكل شخصيته وكان علماء مكة الذين تخرج على أيديهم بعد علماء مازونة ومستغانم نذكر جملة من الشيوخ الذين كان لهم الأثر الطيب في تكوينه وتأهيله للتغيير والإصلاح وهم:
· أحمد بن إدريس من أفضل شيوخ محمد بن علي السنوسي الكبير، وقد تأثر به تأثرًا كبيرًا وقد أخذ عنه عددًا من الطرق الصوفية ودرس عليه الحديث والسنة، وابن إدريس من مواليد 1173هـ بميسورة وأصله من المغرب الأقصى،ولما دخل سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الحجاز عام 1221هـ/1806م لم يتعرضوا للشيخ العالم أحمد بن إدريس بأذى وقد وٌصف ابن إدريس بأنه ذو ميول سلفية.
· أحمد الدجاني: أخذ عنه محمد بن علي السنوسي عددًا من الأوراد الخاصة بالطرق الصوفية.
· أبوحفص عمر بن عبد الرسول العطار.
· أبو سليمان عبد الحفيظ العجمي مفتي مكة وقاضيها.
وتظافرت جملة من الأسباب أدت إلى مغادرة محمد بن علي السنوسي مكة فتوجه أولا إلى" صبيا العسير" وهي من أملاك الحركة السلفية الوهابية ثم قرر الرحيل إلى الغرب والجزائر تحديدًا وهذه الأسباب والعوامل هي:
1. وفاة أستاذه أحمد بن إدريس الذي كان يرعاه ويقدر علمه ومكانته في ذلك العصر كما ساعده في تلقين الناس الأوراد ودعوتهم إلى الخير.
2. عداوة شيوخ مكة له نظرًا لأفكاره الجديدة التي يبثها بين أتباعه وهي دعوة تقلق الشيوخ التقليديين والحكومة العثمانية لاتهامه بأنه داعية من دعاة السلفية الوهابية.
3. ذكر عبد القادر بن علي أحد الباحثين في الشؤون السنوسية رغبة محمد بن علي السنوسي الكبير في العودة إلى الجزائر للجهاد في سبيل الله وهو صاحب القول المشهور وهو يودع الحاج محي الدين وابنه الشاب عبد القادر الذي سيكون له الدور المحوري في جهاد الغزاة الفرنسيين بالجزائر منذ عام 1832م:"إن الدين الإسلامي يحتم على كل مسلم أن يدافع عنه بقدر استطاعته ويحرم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين الإسلامي والمعطل لأحكام الله، وإني استوصيك بولدنا عبد القادر هذا خيرًا فإنه ممن يذود عن حرمات الإسلام ويرفع راية الجهاد".
4. فكر محمد بن علي السنوسي في الانتقال بالدعوة إلى مكان آمن يستطيع فيه نشر أفكاره بعيدًا عن أعين الرقباء والعيون الساهرة على النوم العام(الاستعمار).
**استقرار محمد بن علي السنوسي بليبيا وتأسيس زوايا المعرفة والعلم**
استقر محمد بن علي السنوسي في ليبيا الشمالية مدة سنتين أسس فيها الزاوية البيضاء المشهورة وهي الزاوية الأم في إفريقيا كلها وكان ابن السنوسي قبل هذا على اتصال بجهاد الجزائريين حتى وفاته عام 1859م وواصل من بعده أتباعه مساعدة جهاد الجزائريين في ورقلة والغرب الجزائري كما هو مسجل في وثائق العصر.
وبعد سنتين من استقراره في برقة والجبل الأخضر عند حلفائه العواقير(قبيلة عربية ليبية) وانتقل إلى مكان يسمى ماسة وتقدم من ماسة إلى محل يسمى دنقلة حيث مكان الزاوية البيضاء بالقرب من ضريح الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الأنصاري t وقد شرع الإخوان السنوسيون في تأسيسها قبل مجيء ابن السنوسي.
ويكفي أن نعرف رواد الجيل الجديد الذي تكون على يديه محمد المهدي وهم العالم الفذ عمران بن بركة، أحمد الريفي، علي بن عبد المولى، ومحمد المدني التلمساني، محمد بن حسن البسكري، عبد المتعال الإدريسي، أحمد أبو القاسم التواتي، أبو القاسم العيساوي، عمر الأشهب، محمد بن عبد الشفيع، محمد السكوري، مصطفى المحجوب، عبد الرحيم المحجوب، عمر الفضيل، محمد بن الصادق الطائفي، أبو سيف مقرب، فالح الظاهري، عبد الله التنسي، محمد بن إبراهيم الغماري، المرتضى فركاش، حسين الغرياني. وكون معظم هؤلاء الرواد المجلس الأعلى للحركة السنوسية فقد كون محمد المهدي السنوسي المجلس الأعلى من كبار الإخوان، يتكون من:
1. العلامة عمران بن بركة(رئيس مجلس الشيوخ).
2. أحمد الريفي(رئيس مجلس الوزراء).
3. على عبد المولى(حاكم الجغبوب) ووزير المالية والداخلية، إلى جانب نظارة الخاصة الإمامية، النظر في شؤون عائلة المهدي).
4. فالح الظاهري.
5. وعبد الرحيم المحجوب.
6. محمد المدني لتلمساني(وزير الشؤون الاجتماعية).
7. محمد بن الحسن البسكري.
8. أبو سيف مقرب.
9. محمد الشريف(وزير المعارف، إلى جانب نيابته عن الإمام المهدي).
10.رؤساء الزوايا(حكام وولاة المناطق والأقاليم، نواب الأمة أمام المجلس الأعلى للحركة السنوسية).
وكان هذا المجلس يمثل قمة الهرم الذي قاعدته الزوايا، وكان يضم كبار رؤساء الزوايا في برقة وطرابلس ومصر والحجاز والسودان وشمال إفريقيا وكان يجتمع سنويا في الجغبوب للنظر في أهم أمور الحركة، وكان يرأسه محمد الشريف السنوسي ثم تعرض قراراته على الإمام المهدي السنوسي للموافقه عليها، أو تعديلها بما يبدو له.
وبالنظر إلى القضية عن قرب كما ذهب إلى ذلك أحد الباحثين تبرز لنا خصوصية هامة اتسمت بها هذه الطرق الثلاث(القادرية(الجزائر)المهدوية(السودان) السنوسية(ليبيا)(11).وتمثلت في اعتماد كل منها فكريا على نوع من الإيديولوجية الإسلامية القريبة بطريقة أو أخرى من الحركة التجديدية في الحجاز وهي الوهابية التي استطاعت عبر هذه التجارب السياسية والدينية بفعل صبغتها السياسية المركزية أن تفرض من فوق نوعا من اللحمة لم يكن تحقيقها في فضاء شعبي بسيط التكوين وتسوده علاقاته الفوضى التي فرضها التفكك القبلي الذي عرفته الجزائر في القرن التاسع عشر من جهة والسيطرة الاستعمارية من جهة أخرى.
وقد كانت الإجراءات المتخذة أيام جيل كومبون ضد الطرق الصوفية تتمثل في تفتيتها وإضعافها والاستفادة منها، دون القضاء عليها أو مواجهتها وسيكون لهذه السياسة عواقبها خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين وكأن هذه الطرق قد اسنتفذت طاقتها وأدت دورها وكان عليها أن تترك المجال لموجة جديدة من "حماة الدين" وهم رجال الحركة الإصلاحية، ثم بعد ذلك الدور الفعال الذي قامت به الحركة الوطنية الاستقلالية التي دخلت في معركة جديدة مع الإدارة الاستعمارية وأعوانها بأساليب جديدة(12).
وكانت فرنسا الاستعمارية لا تزال تراهن على هذه الطرق الصوفية التي استنفذت طاقتها، التي تجددت أيام الحركة الإصلاحية بزعامة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بفعل المساعدات والتوجيه التي تقوم بها مصلحة شؤون الأهالي(13).
وقبل أن نختم هذا المدخل الخاص بالطريقة السنوسية أحببنا أن نقول أن السنوسية ومؤسسها محمد بن علي السنوسي شخصية امتازت بالطموح والهيبة وكان من العلماء الذين تركوا سمعة كبيرة في حياة أتباعه الذين كانوا من المخلصين؛ كما كان محاطًا بفريق من الكوادر العلمية والأدبية مما أهله وأهل ابنه محمد المهدي فيما بعد إلى تكوين حركة كان لها الدور الكبير في مواجهة المصالح الاستعمارية في المنطقة،وما يمكن أن ننوه به هنا أن فرنسا الاستعمارية في أيام السفاح بوجو أرسلت الجاسوس الشهير ليون روش بصحبة مقدمي الطريقة التجانية والطيبية إلى القيروان والمغرب الأقصى والأزهر الشريف ومكة المكرمة من أجل استصدار فتوى وهذا عام 1842م لاستسلام المسلمين إلى واقعهم ولما اجتمع مجلس أعيان وعلماء مكة المكرمة بطلب من الشريف غالب حاكم مكة؛ رفض محمد بن علي السنوسي الكبير التوقيع على استسلام أبناء المسلمين المجاهدين في الجزائر وهو ما ذكره ليون روش نفسه في كتابه" اثنان وثلاثون سنة في الإسلام"(14).
والشيء الذي يحسب لهذا العالم المجدد أنه من بين العلماء الأعلام في عصره الذين شهدت لهم الدراسات والوثائق الأجنبية قبل الكتابات الوطنية بالسمو والفهم العميق لأزمة التخلف التي صاحبت ظروف المجتمع خلال القرن العصيب حيث جمعت الحركة السنوسية بين أعمال القلب وأعمال المادة، إذْ حققت أكبر التصرفات الإسلامية دلالة على وحدة العمل كان توحيد بين الأعمال الروحية وبين الأعمال المادية وهو ما بدا جليًّا في ظاهرة الزهد الإسلامي القويم، فعلى خلاف حضارات أخرى ناقضت أعمال الروح وأعمال المادة، فمالت إلى أحد الطرفين على حساب الآخر، نجد الزهد الإسلامي الذي تمثلته الحركة السنوسية قد نشأ جمعًا بين أمرين: أعمال لتصفية الروح، وأعمال للتعمير المادي، وذلك ما كان متجليًّا في حركة الرباطات والمحارس التي أقيمت على سواحل إفريقية منذ أواسط القرن الثاني، ثم امتدت من أقصى المغرب إلى الإسكندرية وفي هذه الرباطات كانت تتناسق أعمال تغذي الروح على منهج من المرابطة الجهادية وأعمال من الوصال الاجتماعي بمباشرة التعليم والتربية لعامة المسلمين،وأعمال النشاط الاقتصادي بمباشرة الزراعة وتعمير الأرض من قبل المرابطين لما حولهم من الأرض(15)حتى أصبح الرباط بهذا العمل التوحيدي" عاملا من العوامل الثقافية في تكوين الروح الثقافية بالمغرب واتساعها وترسيخ آثارها في النفسية الشعبية، ووصل ما بين العناصر الاجتماعية بسببها، وهذا المنهج التوحيدي هو الذي امتدت به الرباطات والزوايا في سلسلة صحراوية طويلة توازي السلسلة الساحلية(16) ، فقامت الحركة السنوسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر توحد في فعالية عجيبة بين أعمال في الزهد روحانية، وأعمال جهادية تربوية، وأعمال تعميرية اقتصادية زراعية وصناعية(17) فكانت مظهرًا بديعًا للتوحيد في العمل يمثل بحق فقهًا متميزًا في التحضر الإسلامي من شأنه أن يفضي إلى ترقية منهجية في نطاق الخلافة في الأرض(18).وهذا ما دعا أحد الباحثين المعاصرين إلى القول أن السنوسية دين ودولة(19).
هذه الحركة الإصلاحية هي التي بثت زوايا المعرفة والعلم في كامل إفريقيا، وعلى الخصوص ليبيا وتشاد والجزائر، ولا تزال آثار هذه الحركة حاضرة من خلال أعمال وآثار محمد بن علي السنوسي الكبير خريج بوقيرات وجامعة فاس العامرة ومدرسة مازونة، ولهذا فأفضال مدارس وزوايا المعرفة والعلم بالريف وحواضر وسهل الشلف، دالة على مكانة الجهة الغربية في حفظ الشعار الإسلامية وركنها الركين الحفاظ على القرآن الكريم ببثه في صدور الرجال والنساء من مختلف الشراع الاجتماعية، ولا تكفي هذه الوريقات لتغطية هذا العنوان الذي يحتاج إلى توثيق جيد واطلاع واع على العلماء الأعلام من الغرب الجزائري.
____________
**إحالات الدراسة**
(1)- ابن زاغو: هو أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الشهير بابن زاغو المغراوي التلمساني، الإمام المحقق المتفنن العابد، له شرح على التلمسانية في الفرائض وله فتاوى في المعيار، والدرر المكنونة توفي في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 845هـ/ 2 أوت 1441م)نيل الابتهاج، ص118.أبو الحسن القلصادي(891هـ/1486م)، رحلة القلصادي المسماة تمهيد الطالب ومنتهى الراغب إلى أعلى المنازل، تحقيق ودراسة محمد أبو الأجفان، تونس، الشركة التونسية للتوزيع، 1978م.ص:105.الفكر السامي للحجوي، الجزء الثاني ص/257.محمد بن محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، بيروت، دار الكتاب العربي، ص:254. ترجمة رقم:921.
(2)- د. أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي(1/392).
(3)-نفسه، 1/43.
(4)- د.محمد حسن، المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي، الجزء الأول، جامعة تونس الأولى،1999م.ص: 20. المازوني، الدرر المكنونة في نوازل مازونة، السفر الأول، رصيد المكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، ورقة:153 وجه.
(5)- Belhamissi(m), Mazouna, une petite ville, une langue histoire, Alger, SNED,1982.P:49.
حنيفي هلايلي، الموريسكيون الأندلسيون في المغرب الأوسط خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، رسالة ماجستير مخطوطة، إشراف: أ.د.عبد الحميد حاجيات، جامعة وهران، كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، قسم التاريخ، السنة الجامعية 1999-2000م.ص:199.
(6)-د.بوعبد الله غلام الله، نظرة عامة على التعليم الأهلي في سهل الشلف خلال النصف الأول من القرن العشرين (أعمال الأسبوع الوطني الثالث للقرآن الكريم) الجزائر، منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف 1424هـ/2003م.ص:37.
(7)-راجع مؤلفات أبي راس الناصر/ يحيى بوعزيز، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة، الجزء الثاني، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1995م.ص:234-244.محمد أبو راس الجزائري، فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته(حياة أبي راس الذاتية والعلمية) حققه وضبطه محمد بن عبد الكريم الجزائري، تقديم د.أبو القاسم سعد الله، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1990م.ص:21.
(8)-أبو راس الناصر، فتح الإله(سيرة أبي راس)ص:20-21.
(9)- انظر: عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، الجزء الرابع، ص:569 وما بعدها.محمد أبو راس الجزائري، فتح الإله ومنَّته في التحدث بفضل ربي ونعمته،(مقدمة الدكتور أبو القاسم سعد الله).د أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الأول، ص:222.د.محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني، مؤرخ سوف والطريقة الشابية، الجزائر، مارس 2002م.ص:76.
(10)-انظر المدرسة الأندلسية. د.محمد الأمين بلغيث، الحياة الفكرية بالأندلس في عصر المرابطين، المجلد الأول، ص:107وما بعدها.
(11)-لطيفة الأخضر ، الإسلام الطرقي ، ص:147.انظر أيضًا" الدجاني(أحمد صدقي) الحركة السنوسية،نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر (1202هـ/1320هـ) بيروت، طبعة 1988م. ص:163. د.محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة ، دار الفكر العربي القاهرة 1948م.ص:145.
H.Duveyrier,La confrérie Musulmane de sidi Mohammed ben Ali Essenousi et son domaine géographique; Roma, Topografia del senato,1918. p:12 et suivantes.
(12)- د.أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الرابع، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1998م. ص:292.
(13)-انظر:
Augustin Berque,Affaiblissement des fractions maraboutiques et des marabouts locaux(écrits sur l’Algérie)réunis et présentés par Jacques berque, post-face de Jean-Claude Vatin, Archives maghrébines, Paris, Edisud.1986.P:42 et suivantes.
(14)- د.أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الرابع، ص:254.
(15)- د.محمد فؤاد شكري، السنوسية دينُُ ودولة، ص:48، د. عبد المجيد عمر النجار،فقه التحضر الإسلامي، الجزء الأول،بيروت، دار الغرب الإسلامي،1999م.ص:69 وما بعدها.
(16)- محمد الأمين بلغيث، الرُّبُطُ بالمغرب الإسلامي ودورها في عصري المرابطين والموحدين، رسالة ماجستير بإشراف د.عبد الحميد حاجيات، معهد التاريخ، جامعة الجزائر ، 1986-1987م.ص:245 وما بعدها.
(17)- د.محمد فؤاد شكري، السنوسية دينُُ ودولة، ص:50.
(18)- د.عبد المجيد عمر النجار، فقه التحضر الإسلامي، الجزء الأول،ص:70.
(19)-د.محمد فؤاد شكري، السنوسية دينُُ ودولة، ص:48.
انظر:محمد الأمين بلغيث، تاريخ الجزائر المعاصر(دراسات ووثائق)، وثائق جديدة وصور نادرة تنشر لأول مرة،(الملحق الأول من الكتاب النص العربي ص ص:281-290.).المجموعة الخامسة من وثائق الكتاب باللغة الأجنبية.ص ص:340-350.





بسم الله الرحمن الرحيم مازونةيعود تاريخ مازونة قبل ميلاد سيدنا عيسي .هي عاصمة بايلك الغرب في الحكم العثماني ، ومنارة العلموالعلماء فكان العلماء من جامع الازهر (جامع الازهر (359-361 هجرية) (970-972 م). هو من أهم
المساجد في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي. وهو جامع وجامعة منذ أكثر من ألف عام، بالرغم من أنه أنشأ لغرض نشر المذهب الشيعي عندما تم فتح مصر على يد جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر، الا أنه حاليا يدرس الاسلام حسب المذهب السني. وبعدما أسس مدينة القاهرة شرع في شهر جمادى الأول سنة 359 هجرية = 970م في إنشاء الجامع الأزهر وأتمه في شهر رمضان سنة 361 هجرية = 972م فهو بذلك أول جامع أنشى في مدينة القاهرة وهو أقدم أثر فاطمي قائم بمصر. وقد اختلف المؤرخون في أصل تسمية هذا الجامع، والراجح أن الفاطميين سموه بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت الرسول وإشادة بذكراها. جامعا ومدرسة لتخريج الدعاة الفاطميين, ليروجوا للمذهب الإسماعيلي الشيعي (الشيعة السبعية) الذي كان مذهب الفاطميين. وكان بناؤه في اعقاب فتح جوهر لمصر في 11 شعبان سنة 358 هـ /يوليو969م. حيث وضع أساس مدينة القاهرة في 17 شعبان سنة 358 هـ لتكون العاصمة للدوة الفاطمية القادمة من المهدية بتونس ومدينة الجند غربي جبل المقطم . ووضع أساس قصر الخليفة المعز لدين اللَّه وحجر آساس الجامع الأزهر في 14 رمضان سنة 359 هـ / 970م.)وجامع الزيتونة(جامع الزيتونة أول جامعة في العالم الإسلامي و هو جامعة وجامع بمدينة تونس. يعد ثاني الجوامع التي بنيت في "أفريقية" بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان. يرجح المؤرخون أن من أمر ببنائه هو حسان بن النعمان عام 79 هـ وقام عبيد الله بن الحباب بإتمام عمارته في 116 هـ736م.)يأتون لمازونة للحصول علي شهادةمشايخ ،زيارة الأمير عبد القادرلمازونة لقد جاء إليها الامير عبد القادر فنصرته بأبناءها الأبطال وساندته بامدادات من المال والجنودثورة التحرير: خرج من بطن منارة العلم (مازونة)شجعان واجهوا فرنساوكبدوهاالخسائروكان لهم في ثورة التحرير جولة . تشهدهاألسنة إلى يومنا مكتبة مازونة مكتبة تحتوي على مجموعة من المخطوطاتوالكتب القيمةونادرةفهي ميراث لؤلؤة العلم والمعرفةمازونة القديمة تدعى القصبة وهي رائعة شوارعها ضيقة هيوسط الجبال وهي مليئة بالحمامات التركية .ينبوع الماء : اسمه ( برقش)وقد ساعدالكثيرين من المصابين بامراض الكلى على الشفاء. ورد ذكر مازونة في كتاب (إبن بطوطة)ثم سافرت من تونس في البحر مع القطلانيين، فوصلنا إلى جزيرة سردانية، من جزر الروم، ولها مرسى عجيب، عليه خشب كبار دائرة به. وله مدخل كأنه باب، لا يفتح إلا باذن منهم، وفيها حصون. دخلنا أحدها، وبه أسواق كثيرة، ونذرت لله تعالى إن خلصنا الله منها صوم شهرين متتابعين. لأننا تعرفنا أن أهلها عازمون على اتباعنا إذا خرجنا عنها ليأسرونا.ثم خرجنا عنها فوصلنا بعد عشر إلى مدينة تنس، ثم إلى مازونة، ثم إلى مستغانم، ثم إلى تلمسان. فقصدت العباد، وزرت الشيخ أبا مدين رضي الله عنه ونفع به، ثم خرجت عنها على طريق مدرومة، وسلكت طريق أخندقان. وبت بزاوية الشيخ إبراهيم. ثم سافرنا منها، فبينما نحن بقرب أزغنغان، إذا خرج علينا خمسون راجلاً وفارسان. وكان معي الحاج ابن قريعات الطنجي وأخوه محمد، المستشهد بعد ذلك في البحر. فعزمنا على قتالهم، ورفعنا علماً، ثم سالمونا وسالمناهم، والحمد لله،الغريب في الأمر ما السر وراء ذكره فقط لكلمة مازونةدون الإشادة إلى أي من علمائها وشيوخها الكبار................... أو حتى إلى رمزمن رموزها التي كانت تشع في ذلك الوقتأما الذي يثير العجب أنه ردد في كثير من المواضع أنه زارالشيوخ والعلماء من ذلك قوله :ثم إلى تلمسان. فقصدت العباد، وزرت الشيخ أبا مدين رضي الله عنه ونفع به، ثم خرجت عنها على طريق مدرومة، وسلكت طريق أخندقان. وبت بزاوية الشيخ إبراهيم. فكيف به يمر على أكبر لؤلؤة وصل نور إشعاعهاإلى الكوفة والبصرةألم تكن هي عاصمة بايلك الغرب في الحكم العثماني ، ومنارة العلموالعلماء فكان العلماء من جامع الأزهر والزيتونة يأتون لمازونة للحصول علي شهادةمشايخ ،
مازونة ... محطة لعبور الحضارات


مدينة جزائرية تقع في غرب البلاد وهي تابعة إداريا لولاية غليزان. مساحتها 7,200 هكتار، يسكنها حوالي 26,500 نسمة وتبعد 65 كم من مقر الولاية غليزان، وتقع أقصى شمال شرق الولاية. كانت عاصمة بايلك الغرب أثناء الحكم العثماني ، ومدينة مازونة معروفة بمعالمها التاريخية والثقافية البارزة فقد كانت منطقة عبور للحضارات ومهد للثقافة الإسلامية، وقد سمح لها موقعها فوق جبال الظهرةبان تلفت الانظار حيث استقرت عدة قبائل فيهاو نظراً لطابع سكانها من الأصول البربرية، والرومانية والتركية لهم عادات وتقاليد تميز منطقتهم. ويشتغل سكانها بالتجارة والفلاحة، وحوالي 25% منهم مغتربين ومهاجرين إلى أوروبا. نصر أهلها الأمير عبد القادر حين أتاهم أثناء مقاومة الاستعمار الفرنسي، بامدادات من المال والرجال.تعتمد البلدية في ميزانيتها على الناتجة الجبائية والمتمثل في الرسوم وعلى النشاط المهني والتسديد الجزافي والرسم الإجمالي على تأدية الخدمات ومداخيل أخرى تتمثل في تأجير المحلات التجارية.وتدعى مازونة القديمة القصبة شوارعها ضيقة مليئة بالحمامات التركية ومعروفة بأكلات شعبية مثل جرورو وهي شربة الزعتر. فيها ينبوع ماء اسمه برقش وقد ساعد الكثيرين في الشفاء من أمراض الكلى . من الشخصيات المعروفة الباي بو خديجة عين من قبل حسان باشا داي الجزائر في عام
1563

ترجمة الإمام الفاكهاني

المبحث الأولاسمه ونسبه وولادته, ونشأته وطلبه للعلم
* اسمه ونسبه وولادته:
هو الإمام, العلامة, المتقن, ذو الفنون, عمر بن علي بن سالم ابن صدقة اللخمي, أبو حفص بن أبي اليُمْن بن أبي النَّجا, الإسكندراني, المالكي, المعروف بـ: الفاكهاني, ويقال: ابن الفاكهاني, ويقال: الفاكهي([1]).
ولد سنة (654ﻫ) على المعتمد المشهور, وقيل: سنة (656)، بالإسكندرية.
* نشأته وطلبه للعلم:
نشأ  بالإسكندرية, فقرأ القرآن فيها على شيخ قرائها المكين الأسمر عبدالله بن منصور الإسكندراني, كما قرأ بالقراءات على أبي عبدالله محمد بن عبدالله بن عبد العزيز المازوني المعروف بـ: حافي رأسه, وسمع منه.
ثم اشتغل بالفقه على مذهب الإمام مالك , وبرع فيه، وتقدم, كما مهر في علوم العربية, وأقام بمصر سنين, وسمع من أبي عبدالله محمد بن طرخان ’الشفا‘ للقاضي عياض, و’الترمذي‘ كما سمع على القاضي جمـال الدين أبي بكر محمد بن عبد العظيم بن السـقطي المصري ’سنن ابن ماجه‘ بإجازته من عبد العزيز بن باقا, بقراءة المحدث تقي الدين عتيق بن عبد الرحمن العمري في مجالس آخرها في ربيع الآخر سنة (707ﻫ) بالقاهرة بشاطئ النيل, وأجاز له.
كما صحب ابن المنيِّر, وحضر دروسه, وسمع من أبي الحسن علي بن أحمد القرافي, وصحب جماعة من الأولياء والصالحين, وتخلق بأخلاقهم, وتأدب بآدابهم.
ثم سافر إلى القدس سنة (731ﻫ), وحدَّث هناك ببعض مؤلفاته, وأخذ عنه جماعة من علمائها؛ منهم: الإمام المحدث عبدالله بن علي ابن أحمد بن حديدة الأنصاري.
ثم قـدم دمشـق في نصف شهر رمضان, فأنزلـه القاضي الشافعي بدار السعادة, فسمع عليه جماعة من العلماء, منهم: الحافظ ابن كثير, كما سَمِع من جماعة من أئمتها منهم: الإمام الذهبي.
ثم توجَّه  إلى الحج، بصحبة الرَّكب الشامي, الذي كان فيه أربع مئة فقيه؛ ذُكِر منهم: الإمام ابن قيم الجوزية, وشمس الدين الكردي, وفخر الدين البعلبكي, وغيرهم, ومن المصريين جماعة من الفقهاء، منهم: قاضي المالكية تقي الدين الأخنائي, وفخر الدين النويري, وغيرهم.
وقد سُمِعَ على الإمام الفاكهاني  في الطريق.
ثم عاد إلى بلده, وبقي يفتي ويدرس ويُسمع إلى أن توفَّاه الله صلى الله عليه وسلم.

* * *

المبحث الثاني
مشــــــــــــــــايخـه
1 ـ الإمام، المجتهد, شيخ الإسلام, تقي الدين محمد بن علي ابن وهب المصري, أبو الفتح ابن دقيق العيد.
كان إماماً عديم النظير, ثخين الورع, متين الديانة, متبحراً في العلوم، قلَّ أن ترى العيون مثله. توفي سنة (702ﻫ)([2]).
2 ـ العلامة, الفاضل, أحمد بن محمد بن منصور الجذامي, ناصر الدين ابن المنيِّر الإسكندراني المالكي.
برع في الفقه، والأصول, والنظر, والعربية, والبلاغة, وصنف التصانيف النافعة, توفي سنة (683ﻫ)([3]).
3 ـ الإمام, العلامة, الحافظ, النسَّابة, عبد المؤمن بن خلف, أبو محمد شرف الدين الدمياطي الشافعي.
كان إماماً حافظاً, صادقاً متقناً, جيد العربية, غزير اللغة, واسع الفقه, رأساً في النسب, كيِّساً متواضعاً. توفي سنة (705ﻫ)([4]).
4 ـ قـاضي القضـاة, شـيخ الإسـلام, محمـد بن إبـراهيم بـن سعد الله, بدر الدين بن جماعة الكناني الحموي الشافعي.
كان قويَّ المشاركة في الحديث, عارفاً بالفقه وأصوله, ذكياً فطناً, مناظراً متفنناً, ورعاً صيِّتاً, حسن الهدي, متين الديانة. توفي سنة (733ﻫ) وهو في عشر الثمانين([5]).
5 ـ شيخ قراء الإسكندرية, عبدالله بن منصور, أبو محمد المكين الأسمر اللخمي الإسكندراني.
تصدر للإقراء, وحـدث عن أصحـاب السِّـلفي, وكان عـارفاً بالقراءات, ذا حظ من صلاح وعبادة, تخرج به جماعة, وتوفي سنة (692ﻫ) عن نيف وثمانين سنة([6]).
6 ـ الإمام, المقرئ, النحوي, محمد بن عبدالله بن عبد العزيز, أبو عبدالله الزناتي, المازوني, المعروف بـ ’حافي رأسه‘.
كان شيخ أهل الإسكندرية في النحو, وقد تخرج به أهلها, وكان مكباً على النظر, والإقراء, والتدريس. توفي سنة (693ﻫ)([7]).
7 ـ الإمام المحدث, عتيق بن عبد الرحمن العمري, تقي الدين أبو بكر القرشي المالكي.
كان محدثاً, زاهداً , له رحلة وفضائل, توفي بمصر سنـة (722ﻫ)([8]).
8 ـ الإمام, الحافظ, المؤرخ, محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي, التركماني الدمشقي.
صنف التصانيف النافعة؛ مثل: ’تاريخ الإسلام‘, و’سير أعلام النبلاء‘, و’تذكرة الحفاظ‘ وغيرها. توفي سنة (748ﻫ)([9]).
9 ـ الإمام، الفقيه، أحمد بن محمد بن علي، نجم الدين بن الرفعة، المصري، الشافعي.
اشتهر بالفقه إلى أن صار يضرب به المثل، وإذا أطلق الفقيه، انصرف إليه من غير مشارك، مع مشاركته في العربية والأصول. توفي سنة (710ﻫ) ([10]).
* وللمؤلف  مشايخ كثيرون غير المذكورين, ومن أولئك العلماء:
10 ـ الإمام المحدث, جمال الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم ابن السقطي المصري.
11 ـ العلامة أبو الحسن علي بن أحمد القرافي.
12 ـ الشيخ العارف أبو العباس المرسي.
13 ـ الشيخ أبو عبدالله بن قرطال.
14 ـ المحدث أبو عبدالله محمد بن طرخان.
15 ـ الصعبي, صاحب ’رجال العمدة‘, وقد قرأه عليه المؤلف، ونقل عنه في مواطن عدة في كتابه هذا دون الإشارة إليه, كما ذكر ابن الملقن في ’الإعلام بفوائد عمدة الأحكام‘ (5/ 449).
16 ـ جمال الدين يوسف الصنهاجي.
17 ـ أبو علي البجَّائي.

* * *

المبحث الثالث
تـــــــلامذتـه
1 ـ الإمام, المفسر, المحدث, المؤرخ, إسماعيل بن عمر, عماد الدين, أبو الفداء بن كثير البصروي.
كان كثير الاستحضار, حسن المفاكهة, سارت تصانيفه في البلاد في حياته, وانتفع بها الناس بعد وفاته, وقد سمع على الإمام الفاكهاني حين قدومه إلى دمشق. توفي سنة (774ﻫ)([11]).
2 ـ الإمام، النحوي, الفاضـل، المشهور, عبدالله بن يوسف بن عبدالله, جمال الدين أبو محمد بن هشام, صاحب ’مغني اللبيب‘، وغيره من التآليف النافعة.
انفرد بالفوائد الغريبة, والمباحث الدقيقة, والاستدراكات العجيبة, وقد قرأ على الفاكهاني جميع ’شرح الإشارة‘ له، إلا الورقة الأخيرة. توفي سنة (761ﻫ)([12]).
3 ـ الشيخ, أحمد بن علي بن أحمد الشقوري الحميري, أبو جعفر.
تلا بالإسكندرية على الإمام الفاكهاني وغيره, وبالقاهرة على ابن سيد الناس، وجماعة. توفي سنة (756ﻫ)([13]).
4 ـ الشيخ, محمد بن محمد بن محمد, أبو الخير الحسني الفاسي, ثم المكي.
سمع بمكة, ثم رحل, فسمع بدمشق, والإسكندرية, وأخذ بها عن الفاكهاني, وأذن له في الإفتاء والتدريس, ورجع إلى مكة, فاستمر بها يفتي ويدرس, واشتهر بالخير والعبادة, إلى أن توفي سنة (747ﻫ)([14]).
5 ـ الإمام، المتفنن، محمد بن أحمد بن محمد، أبو عبدالله، شمس الدين بن مرزوق التلمساني.
كان مشاركاً في فنون كثيرة من أصول وفروع، متسع الرواية، كثير السَّداد.
وله من التصانيف البديعة: ’شرح العمدة‘ في خمس مجلدات، جمع فيه بين شرحي الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وتاج الدين الفاكهاني، وأضاف إلى ذلك كثيراً من الفوائد الجليلة النفيسة. توفي سنة (781ﻫ) ([15]).
6 ـ الشيخ، المحدث، عبدالله بن علي بن أحمد، جمال الدين ابن حديدة الأنصاري.
عني بالحديث، وكتب الأجزاء، وكان خازن الكتب بالخانقاه الصلاحية بالقاهرة. توفي سنة (783ﻫ)([16]).

* * *

المبحث الرابع
مؤلفـــــــــــــــــاته
وُصف الإمام الفاكهاني  بالمتفنن في العلوم([17]), فقد ألف في الحديث, والفقه, والتفسير, واللغة, وقد وُصفت هذه التآليف بالحسنة الدالة على فضله([18]).
وقد تمَّ الوقوف على أسماء مؤلفاته  مجموعةً مِنْ كتب مَنْ ترجم له, ومما ذكره في كتابه هذا:
1 ـ ’التحرير والتحبير‘ شرح ’رسالة‘ ابن أبي زيد القيرواني([19]).
2 ـ ’رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام‘، وهو هذا الكتاب.
3 ـ ’المنهج المبين في شرح الأربعين‘ النووية([20]).
4 ـ ’الفوائد المكملة في شرح البسملة‘([21]).
5 ـ ’اللمعة في وقفة الجمعة‘([22]).
6 ـ رسالة في ’مسح الرأس‘([23]).
7 ـ ’الفجر المنير في الصلاة على البشير النذير‘([24]).
8 ـ ’شرح التنقيح‘([25]).
9 ـ ’التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة‘([26]).
10 ـ ’المورد في الكلام عن عمل المولد‘([27]).
11 ـ ’الدرر القمرية في الآيات النظرية‘([28]).
12 ـ ’الغاية القصوى في الكلام على آية التقوى‘([29]).
13 ـ ’الإشارة في العربية‘([30]).
14 ـ ’شرح الإشارة في العربية‘([31]).
وللمؤلف  غير ذلك من النظم, والنثر, والأدب.
المبحث الخامس
ثنــــــاء العلمـــــــاء عــــــليه
1 ـ قال الذهبي: الإمام, النحوي, المتقن.
2 ـ وقال ابن كثير: الشيخ, الإمام, ذو الفنون.
3 ـ وقال الصفدي: كان شيخاً, فقيهاً, مالكياً, نحوياً, له ديانة وتصون.
4 ـ وقال ابن فرحون: كان فقيهاً, فاضلاً, متفنناً في الحديث, والفقه, والأصول, والعربية, والأدب, وكان على حظ وافر من الدين المتين، والصلاح العظيم, واتباع السلف الصالح, حسن الأخلاق, صحب جماعة من الأولياء, وتخلق بأخلاقهم, وتأدب بآدابهم.
5 ـ وقال أبو الطيب الفاسي: كان جامعاً للعمل والعلم.
6 ـ وقال السيوطي: كان فقيهاً, متفنناً في العلوم, صالحاً عظيماً.
7 ـ وقال ابن العماد: العلامة النحوي.
* * *
المبحث السادس
وفـــــــــــــــــــــــــاته
اختلف العلماء المترجمون للإمام الفاكهاني  في سنة وفاته على قولين:
أحدهما: أنه توفي سنة (734ﻫ), ذكره الذهبي, وابن كثير, وابن فرحون, والسيوطي في ’حسن المحاضرة‘, وابن مخلوف.
والثاني: أنه توفي سنة (731ﻫ), ذكره الصفدي, والحافظ ابن حجر, وأبو الطيب الفاسي, والسيوطي في ’بغية الوعاة‘, وابن العماد, وهو الذي اعتمده كحالة في ’معجم المؤلفين‘, وصححه الزركلي في ’الأعلام‘، وقال: ولعلَّ هذا هو الأصح؛ لما جاء في مخطوطة من كتابه ’التحرير والتحبير‘: كتبت سنة (733ﻫ), وفي نهايتها: قال المصنف .
وكانت وفاته  ليلة الجمعة, سابع جمادى الأولى, بالإسكندرية, ودفن ظاهر باب البحر.
وكان قد صلِّي عليه بدمشق صلاة الغائب لـمَّا بلغهم خبر موته؛ كما قال الذهبي في ’معجمه‘.
ولما حضرته الوفاة ، جعل بعض أقاربه ـ وهو صهره الفقيه ميمون ـ يتشهد بين يديه ليذكِّره, ففتح الشيخ عينيه, وأنشد:
وغَدَا يُذَكِّرني عهوداً بالحِمَى
ومتى نسيتُ العهدَ حتى أَذْكُرا
ثم تشهَّد، وقضى نحبه([32]) , ورضي عنه.

* * *


المبحث السابع
مصـــــــادر الترجمـة
1 ـ ’معجم الشيوخ ـ الصغير‘ للذهبي (ص:127).
2 ـ ’البداية والنهاية‘ لابن كثير (14/ 168).
3 ـ ’أعيان العصر وأعوان النصر‘ للصفدي (3/ 644).
4 ـ ’ذيل التقييد في رواة السـنن والأسـانيد‘ لأبي الـطيب الفاسـي (2/ 247).
5 ـ ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (4/ 209).
6 ـ ’الديباج المذهب‘ لابن فرحون (ص:186).
7 ـ ’بغية الوعاة‘ للسيوطي (2/ 221).
8 ـ ’حسن المحاضرة‘ للسيوطي (1/ 458).
9 ـ ’ شذرات الذهب‘ لابن العماد (6/ 96).
10 ـ ’تاريخ ابن الوردي‘ (2/ 287).
11 ـ ’كشف الظنون‘ لحاجي خليفة (1/ 59 , 98، 841).
12 ـ ’شجرة النور الزكية‘ لابن مخلوف (ص:204).
(1) وكلـه نسـبة إلى من يبيع الفاكهـة. انظر: ’لسـان العـرب‘ لابن منظـور (13/ 523)، (مادة: فكه).
(1) انظر: ’المعجم المختص‘ للذهبي (ص:168), و’طبقات الشافعية الكبرى‘ للسبكي (9/ 207), و’الطالع السعيد‘ للأدفوي (ص:567), و’الدرر الكامنة‘ لابن حجر(5/ 348).
(2) انظر: ’العبر‘ للذهبي (5/ 342), و’بغية الوعاة‘ للسيوطي (1/ 384), و’شذرات الذهب‘ لابن العماد (5/ 381).
(1) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (3/ 221), و’طبقات الحفاظ‘ للسيوطي (ص:515), و’شذرات الذهب‘ لابن العماد (6/ 12).
(2) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (5/ 4), و’شذرات الذهب‘ لابن العماد (6/ 105).
(3) انظر: ’معرفة القراء الكبار‘ للذهبي (2/ 688), و’شذارات الذهب‘ لابن العماد (5/ 420).
(1) انظر: ’البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة‘ للفيروز (ص:202), و’بغية الوعاة‘ للسيوطي (1/ 138).
(2) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (3/ 243), و’شذرات الذهب‘ لابن العماد (6/ 57).
(3) انظر: ’طبقات الشافعية الكبرى‘ للسبكي (9/ 100), و’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (5/ 66).
(4) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (1/ 337). وقد نقل عنه الإمام الفاكهاني (3/ 258) من هذا الكتاب.
(1) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (1/ 445), و’طبقات المفسرين‘ للداودي (ص:260).
(2) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (3/ 93), و’بغية الوعاة‘ للسيوطي (2/ 68).
(1) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر(1/ 239).
(2) المرجع السابق, (5/ 494).
(3) انظر: ’الدرر الكامنة‘ لابن حجر (5/ 93)، و’الديباج المذهب‘ لابن فرحون (ص: 305).
(1) انظر: ’شذرات الذهب‘ لابن العماد (6/ 280)، و’الديباج المذهب‘ لابن فرحون (ص: 187)، وله فيه حكاية مع الإمام الفاكهاني .
(1) كذا وصفه الذهبي, وابن كثير, وابن فرحون, والسيوطي.
(2) انظر: ’ذيل التقييد‘ لأبي الطيب الفاسي (2/ 247).
(3) ذكره المؤلف في كتابه كثيراً, وعوَّل عليه متأخرو المالكية في كتبهم؛ كالحطاب في ’مواهب الجليل‘, والخرشي في ’شرح مختصر خليل‘, وابن المواق, وغيرهم.
وقد حقق الكتاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة, في أربع رسائل علمية, كان آخرها سنة (1425ﻫ).
(1) ذكره غير واحد من المترجمين, ونقل عنه الحطاب في مواضع عدة من ’مواهب الجليل‘, وقد طبع في دار الصميعي بالرياض, سنة (2007م), بتحقيق شوكت رفقي شوكت.
وللمؤلف: ’مختصر المنهج المبين‘, وقد طبع أيضاً في مكتبة أضواء السلف بالرياض.
(2) ذكره المؤلف  في كتابه هذا, ولم أر أحداً من المترجمين ذكره.
(3) ذكره الحافظ ابن حجر في ’الدرر الكامنة‘ (4/ 209).
(4) ذكرها في كتابه هذا (1/ 138)، وقال عنها: وقد أفردت لهذه المسألة ـ يعني: مسح الرأس ـ جزءاً مفرداً، لا يكاد يبقي في النفس منها شيئاً، انتهى. ولم يذكرها أحد من المترجمين له.
(5) ذكره ابن فرحون في ’الديباج المذهب‘ (ص:186), وحاجي خليفة في ’كشف الظنون‘ (2/ 1241). وسماه السيوطي في رسالته: ’إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء‘ بـ: ’الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير‘.
(6) ذكره في كتابه هذا (1/ 107), ولم أر أحداً من المترجمين ذكره.
(7) ذكره ابن فرحون في ’الديباج المذهب‘ (ص:186).
(1) ذكره الحافظ ابن حجر في ’الدرر الكامنة‘ (4/ 209), وابن العماد في ’شذرات الذهب‘ (6/ 96). وقد ساق السيوطي في رسالته: ’حسن المقصد في عمل المولد‘ رسالة المؤلف هذه. وقد طبعت رسالة الفاكهاني بمكتبة المعارف في الرياض, سنة (1407ﻫ).
(2) ذكره الحافظ ابن حجر في ’الدرر الكامنة‘ (4/ 209).
(3) وهي قوله تعالى:﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ﴾[الطلاق: 2 ـ 3].
وقد طبعت ضمن مجموع ’من نوادر تراث المالكية‘, ونشرته دار ابن حزم ببيروت, سنة (2003م), بتحقيق محمد شايب شريف الجزائري.
(4) ذكرها الحافظ في ’الدرر الكامنة‘ (4/ 209), والصفدي في ’أعيان العصر‘، وسماها: ’مقدمة في النحو‘, وابن فرحون في ’الديباج المذهب‘ (ص: 186), وغيرهم.
(5) ذكرها ابن فرحون في ’الديباج المذهب‘ (ص:186). ونقل السيوطي في ’بغية الوعاة‘ عن الشمني أنه قال: له شرح مقدمته التي في النحو.
وذكر الحافظ في ’الدرر الكامنة‘ (3/ 93) في ترجمة ابن هشام الأنصاري: أنه قرأ على التاج الفاكهاني ’شرح الإشارة‘ له, إلا الورقة الأخيرة.
(1) انظر: ’الديباج المذهب‘ لابن فرحون (ص: 145، 187).

الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة

لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي1386 هجري - 1966 ميلاديتصنيف – صلاح عبد العزيز1428 هجري – 2007 ميلاديطبعة إلكترونية منقحةبسم الله الرحمن الرحيممقدمة المُختَصِرالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. وأفضل الصلوات على نبي البركة والرحمات محمدٍ سيد البريات صاحب الشفاعة والكوثر المُنادى يوم المحشر "يا محمد ارفع رأسك.. وسل تُعط .. ساكب العبرات لهفاً على أمته" يا ربيِ أُمتي ... يا ربِي أُمتي" صلي اللهم وبارك عليه وعلى آل بيته الأطهار والصحب الكرام الأخيار وسلم تسليماً كثيرا.. ثم أما بعد.لما رأيت أن شمس الحق لا يمكن أن يُحجبها غربال، وأن تاريخ الأمم والشعوب هو صفحة الخلود لمجد الآباء والأجداد ... قلبت في صفحات ماضينا القريب، فإذا به قد سطرته دماءُ زكية استرخصت أرواحها في سبيل رب البرية، وسيرة رجال أشاوس طلقوا الدنيا وطول الرقاد في سبيل حماية الوطن من كلِ عاد .. فأضحت سيرتهم نوراً وسراجاً منيرا للنشء والأحفاد.هذا وقد شرح الله صدري لمطالعة سير الأبطال وتراجم الرجال فإذا بي أمام سيرة رجل عاش لربه طائعاً .. وعن حمى دينه ووطنه ذائداً .. وحسبك أن تأخذ سيرة الصالحين ممن عاصرهم .. بل عايشهم ورافقهم، فصاحب هذا الكتاب الذي بين يدي هو الشيخ (عبد المالك بن عبد القادر بن علي الدرسي) وقد نقل لنا صورة حية عن شخصية ذلك المجاهد البطل والذي لقبه في كتابه برئيس المجاهدين .. إنه السيد (أحمد الشريف السنوسي) حفيد مؤسس الحركة السنوسية في ليبيا المصلح المجدد الإمام (محمد بن علي السنوسي الحسني) ولقد بذل المؤلف جهداً لا نملك حياله إلا أن نقول: جزاه الله خيراً عن كل حرف سطره يراعه لينقل للجيل القادم أمجاد الأجداد وجهادهم الذي أوصل الوطن لنيل عزته واستقلاله.ويجدر بي في هذا المقام أن أرجع فكرة نشر هذا السفر التاريخي القيم للأخ الأستاذ (هشام بن غلبون) والذي أهداني نسخة من الكتاب بهدف توثيقه في الشبكة العنكبوتية العالمية، والدّال على الخير كفاعله.أهمية الكتابتكمن أهمية كتاب (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) في احتوائه على ترجمة لحياة مؤسس الحركة السنوسية الإمام (محمد بن علي السنوسي) والذي تعرضت سيرته للتهميش والتشويه والإهمال، وحسبنا أن نقف على شهادة واحد من أشهر علماء عصره وزمانه العالم الإمام (أحمد بن إدريس العرائشي). هذا في القسم الأول من الكتاب، أما الجزء الثاني فقد اشتمل على سيرة السيد (أحمد الشريف السنوسي) والذي حفلت حياته بمواقف البطولة والفداء على المستوى الليبي الوطني الذي لم يكن في منأى عن الولاء للخلافة الإسلامية في عاصمتها "أسلام بول – استانبول" ثم الواجب الذي أخذه على عاتقه تجاه أمته الإسلامية، فقد شد من عزيمة الجيوش العثمانية في حربها ضد القوات اليونانية المحتلة في الأناضول حتى كتب الله لها النصر .. وعاصر السيد احمد الشريف أكبر مصاب على يد القائد العسكري "مصطفى كمال أتاتورك" والذي قلب له ظهر المِجَّن معلناً سقوط الخلافة الإسلامية ورفع شعار العالمانية !! ثم ينتهي المُقام بالسيد الشريف بجوار جده المصطفى محمد بن عبد الله بالمدينة المنورة قائماً بالدعوة إلى الله ومؤدياً دور الإصلاح بين الزعامات السياسية المتنازعة في تلك الحقبة التي مرت بها الأمة العربية والإسلامية.دوري في الكتابحاولت جهدي أن أقوم بإلإختصار غير المُخِل لمحتويات النسخة الأصلية للكتاب، وإعادة صياغة بعض عباراته، والتركيز على ما اختص من أحداث بالشأن الليبي قدر المستطاع. وأخيراً .. إذا كان المؤلف (عبد المالك بن عبد القادر بن علي الدرسي) قد أتم الكتاب في حضرة النبي المصطفى العدنان في المدينة المنورة حيث حط الرحال مع شيخه الضرغام (أحمد الشريف السنوسي) نزيل طيبة ثُم البقيع ..فإني أبتهل إلى مولاي أن ييسر لي نُزلاً في الحياة قبل الممات بجوار صاحب الوجه الأنور سيدنا رسول الله وأن يرزقنا شفاعته يوم المحشر والورود على حوضه والكوثر. وغايتي في تصنيف هذا الكتاب إماطة اللثام عن كل ما اكتنف سيرة و شخصية مؤسس الحركة السنوسية من لبس أو إبهام... وأن أفي حق العالم المجاهد الجليل (أحمد الشريف السنوسي) وأنقل سيرة بطل جهلها الأكثرون .. وأراد طمس معالمها أناسٌ آخرون. (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب) والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.صلاح عبد العزيزسويسرا - 1428 هجري – 2007 ميلاديبِسْمِ الله الرَحمن الرَّحِيممقدمة المؤلفالحمد لله الذي أوجد الخلق من العدم. وجعلهم شعوباً وقبائل وأُمم. والصلاة على الشفيع الأعظم سيد العرب والعجم سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.وبعد. أتقدم إلى حضرات القراء الكرام بهذه العجالة المختصرة من تاريخ العائلة السنوسية الكريمة مجزأة إلى جزأين الأول منهما يشتمل على ترجمة حياة عميد العائلة ومؤسسها العظيم (السيد محمد بن علي السنوسي) من حين نشأته إلى وفاته وكل ما يتعلق برحلاته وتنقلاته وأعماله العظيمة الخالدة كما يشتمل على شيء يسير من تراجم حياة ابنيه الكريمين الإمامين العظيمين السيد (محمد المهدي السنوسي) وشقيقه السيد (محمد الشريف السنوسي). والجزء الثاني يتعلق بذكر حياة الرجل الصالح والبطل المكافح رئيس المجاهدين وقاهر الكفرة المعتدين والذَّاب عن الإسلام والوطن الفاني في حب الله والمجاهد في سبيل الله السيد (أحمد الشريف السنوسي). جمعتها وسميتها (الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية) وذلك لما رأيت أن أكثر الناس يجهلون حقيقة هذه العائلة المباركة ومبادئها الثابتة ومقاصدها الحسنة ويخوضون فيها بأمور شتى ويتلقفون عنها أخباراً وروايات تُنسب إليها متضاربة وملفقة ينقلونها ويروونها صحيحة ومكذوبة ويجهلون أصل النشأة وبدايتها وما قام به مؤسسها العظيم وحفدته الكرام من الأعمال النافعة للدين والوطن والبشرية جمعاء ويؤولون أفعالهم و جهادهم وطريقهم كل على حسب ميوله لهم وعليهم فاحتسبت أجري عند الله وبادرت بتسويد ما يطلع عليه حضرة القارئ الكريم معتمداً في ذلك على الله ومتحرياً فيما جمعته ذكر الحقائق، وتاركاً ذكر ما لم يتحقق أو في ذكره ما يوجب اعتراض الخلق خصوصاً في هذا الزمن الذي تغيرت فيه المشارب و كثرت فيه الفتن وأصبح أكثر أهله لا يؤمنون برب ولا كتاب ولا يخافون من حساب أو عقاب. ليستزيد منه المحب الصادق ويستفيد منه الباحث الحاذق واستمد التوفيق والعون من الذي يقول للشيء كن فيكون.المؤلف (مبدأ اسم السنوسي)أول من عُرف بهذا الاسم أحد الأئمة الهُداة الذين رفعوا لواء السُنة الغرّاء وحملوا مشعل العلم الشريف وأناروا طريقه لطلابه، الإمام السيد محمد بن يوسف السنوسي صاحب العقائد السنوسية في التوحيد، كان في زمانه حُجة ولعلمائه قُدوة ونال من الصلاح درجة عالية وشهد بفضله الخاص والعام، لذلك تبركاً باسمه سَمَّى بعض الناس أبناءهم باسمه وقد تربى هذا السيد الجليل ما بين قبيلة بني اسنوس وكلمة اسنوس مشتقة من اسم جبل أسنوس الذي يبعد عن بلدة تلمسان (بلدة بالجزائر) بمسافة يوم تقريباً وكان يسكن بهذا الجبل فخذ من قبيلة بربرية يُقال لها (كوميه) وأطلق على هذا الفخذ الساكن بالجبل اسم بني أسنوس .. ووُلِد السيد محمد بن يوسف بينهم وكبر واشتهر بالسنوسي نسبة إليهم وهو ليس منهم وفيما بعد درج الناس على التسمية باسمه وكان ممن سُميّ باسمه ابنٌ للجد الرابع للسيد محمد بن علي السنوسي سمّاه والده السيد عبد القادر بن السيد أحمد شهيده (محمد السنوسي) فكبر وتعلم و نال أيضاً من الصلاح والعلم والزهد والتقوى درجة رفيعة حتى كان إمام وقته و حافظ عصره وأُطلق عليه إمام المفسرين والمُحدثين في زمانه وهو أول من تسمى بالسنوسي في سلسلة آل خطاب الأشراف وتوفي هذا السيد الجليل في تلمسان ودُفن بها ولم يعقب خلفاً إلا أن أبناء إخوته بعده درجوا على تسمية أبنائهم باسمه حتى سُمي به السيد السنوسي جد السيد محمد بن علي السنوسي صاحب الترجمة.(نسب السيد محمد بن علي السنوسي)فهو محمد بن علي بن السيد السنوسي بن العربي الأطرش ابن محمد بن عبد القادر بن أحمد شهيده بن محمد شائب الذراع بن يوسف أبو ذهيبة ابن عبدالله بن خطّاب بن علي أبو العسل بن يحي بن راشد بن أحمد المُرابط بن منداس بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن يوسف بن زيّان بن زين العابدين بن يوسف بن الحسن بن إدريس بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن د عبد الله بن حمزة بن سعيد بن يعقوب بن داوود بن حمزة بن علي بن عمران بن إدريس الأزهر (الأصغر) أمير المسلمين وباني مدينة فاس بن الإمام إدريس الأكبر أول ملوك السادة الأدارسة بالمغرب بن عبدالله الكامل بن الحسن المُثنى بن الإمام الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه وفاطمة الزهراء بِضعة المصطفى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف و كرم وعظم.(ولادة الإمام محمد بن علي السنوسي ونشأته)كانت ولادته صبيحة يوم الاثنين 12 - ربيع الأول - 1202 هجري - الموافق – 21 ديسمبر – 1787 ميلادي. عند طلوع الفجر ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم جده المصطفى صلى الله عليه وسلم وكانت ولادته بضاحية (مَيْثَا) الواقعة على ضفة وادي شِلْف بمنطقة الواسطة التابعة لبلدة مُستغانم الجزائرية مقر أجداده السادة آل خطّاب وكان من قضاء الله وقدره أن تُوفي والده وعمره سنتان فقط كما أعقبته والدته بقليل و تركاه صغيراً فتولت كفالته عمته المصونة السيدة فاطمة الزهراء بنت السنوسي بن العربي بوصية من والده أخيها علي... وكانت عمته هذه من أشهر السيدات في عصرها علماً وأدباً وزهداً وصلاحاً وتقوى... وكانت تتصدر للإفادة والتدريس والإرشاد حسبما يحله الشرع الشريف كما كان يقصدها طلاب العلم الشريف من بلدان بعيدة للأخذ عنها والاستفادة منها.. فكانت خير مرشدٍ له ومربٍ وعندها حفظ القرآن الكريم و شيئاً كثيراً من المتون في علوم شتى.(شيوخه في القرآن)أولهم زوج عمته محمد بن قعمش الصغير الظهراوي وابنه عبد القادر وكانا عالمين جليلين صالحين ويشاركهما في تحفيظه القرآن محمد بن الخلفة ثم توفيت عمته وزوجها وبنوها ومحمد بن الخلفة في طاعون عام 1209 هجري – 1794 ميلادي. وعمره لم يتجاوز السابعة فكفله محمد السنوسي بن عمه عبد القادر بن السنوسي وذلك بإذن عمه المذكور عبد القاهر شقيق والده علي السنوسي فتمم على ابن عمه هذا حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع ما يلزمه من علم رسم الخط للمصحف والضبط كما قرأ عليه الرسالات الآتية: مورد الظمآن، المصباح، العقيلية، الندى، الجزرية، الهدية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي، وغيرها مما هو من وظائف قارئ القرآن وظهرت عليه النجابة كما تنبأت له بذلك جدته لوالده السيدة فاطمة وكانت من الصالحات الكبار أيضاً ثم بعد أن أتم ما يلزمه من لوازم حفظ القرآن وإتقانه شرع له ابن عمه هذا في العلوم العربية أولاً ثم الدينية بالتدرج دون أن يرهقه أو يدخل عليه شيئاً من السآمة أو الملل مع حضه له على العمل بما يتعلمه والتمسك بالسنة المطهرة دونما تفريط أو مغالاة، وسلوك مسلك أجداده العظام والتأسي بهم في الحـقير والجليل مع تحذيره له من كل ما يبعده عن الله و ترغيبه له في كل ما يقربه منه وكان يزوده بنبذ صالحة مفيدة عن سيرة أجداده الأئمة الأعلام وأعمالهم المجيدة ودرجاتهم الرفيعة وكيف نالوها حتى اشرأبت روحه الطاهرة إلى الأعمال الصالحة واطمأنت نفسه الكريمة إليها مع ترغيبه له على موالاة طلب العلم وحثه عليه و مساعدته له حتى نال منه قسطاً وافراً قَلّ مَنْ ناله في مثل سنه على ابن عمه هذا في مستغانم و اختار الله هذا السيد الجليل إلى جواره الكريم بعد أن هيأ ابن عمه تهيئة صالحة مُرضية و كان سنه قد بلغ السابعة عشر سنة 1219 هجري – 1804 ميلادي. فجلس بعد ابن عمه يتلقى العلم على شيوخه في مُستغانم. ( شيوخ الإمام محمد بن علي السنوسي في مُستغانم )منهم الشيخ الجليل محيَّ الدين بن شلهبه ، و الشيخ محمد بن أبي زوينه ، و الشيخ عبد القادر بن عمور المستغانمي ، و الشيخ محمد القندوز ، و محمد بن عبد الله المستغانمي ، و الشيخ أحمد الطبولي الطرابلسي ، و كلهم من فطاحل العلماء في زمانهم .. حيث مكث الإمام السنوسي يطلب العلم في مستغانم سنتين كاملتين .( شيوخه في ما زونه )و في أول عام 1221 هجري – 1806 ميلادي ، خرج من مستغانم إلى بلدة مازونه و مكث بها سنة واحدة حيث أخذ فيها عن هؤلاء الشيوخ و هم العلاّمة الجليل الشيخ محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الشارف المازوني ، و الشيخ السيد أبو رأس العسكري ، والشيخ الوليد أبو المهل أبو زوينه ذي السند العالي و غيرهم ، ثم والى رحلته إلى مدينة تلمسان و مكث بها أيضاً ما يقارب من السنة و أخذ العلم عمن وجده فيها من شيوخها و بهذه البلدة مقام ابن جده الرابع السيد محمد السنوسي و الذي ينتسبون إليه تباعاً و يتسمون باسمه .. و في أواخر عام 1223 هجري – 1809 ميلادي . رحل الإمام السنوسي إلى مدينة فاس المعمورة و بها مقام جد الأشراف الأدارسة السيد إدريس الأنور ( الأصغر ) و هو الذي بنا مدينة فاس . أمّا والده السيد إدريس الأكبر فهو في مدينة ( وُلِيْلِي ) قاعدة جبل زرهون.. فمكث في مدينة فاس سبع سنوات متوالية ، يطلب خلالها العلم في مسجد القرويين المُضاهي للجامع الأزهر بمصر.( شيوخه بفاس )و شيوخه بفاس هم الشيخ حمدون بن الحاج ، و الشيخ الطيب الكيراني ، و الشيخ أبو بكر بن زيان الإدريسي الجوطي ، و الشيخ أبو العلاء إدريس العراقي و ابنه عبد الرحمن ، والشيخ محمد بن أبي بكر اليازعي ، و الشيخ محمد بن عامر المعداني ، و الشيخ محمد بن محمد بن عبد السلام بنّاني ، و الشيخ أحمد بن المكي السدراتي شارح الموطأ ، و الحافظ محمد بن عبد السلام الناصري و ابنه محمد المدني و الشيخ محمد بن منصور والشيخ محمد الزروالي ، و الشيخ العربي بن محمد . و كان خلال هذه السبع سنوات يدْرُس و يُدّرِّس حتى فاق من وجده من الشيوخ و العلماء و أقر له الجميع بأنه فريد وقته و زينة عصره و أنه ممن ستفتخر بهم الأمة المحمدية كما رُشِح لمشيخة جامع القرويين رغم صغر سنه الذي كان لا يتجاوز ( 30 سنة ) فقط و لكنه لم يقبل هذا التقيد . و بعد أن نهل من معين شتى العلوم العقلية و النقلية و أخذها عن عموم مشايخ عصره في الديار المغربية و إجازتهم له بما لديهم ، و أخذه عن السادة الصوفية كالشيخ أحمد التِجاني المتوفي في شوال سنة 1230هجري – سبتمبر – 1815 ميلادي . و الشيخ محمد بن عبد السلام الناصري المتوفي في صفر سنة 1239 هجري - أكتوبر – 1823 ميلادي ... و غيرهم .( رحلته الأولى إلى الشرق العربي )تاقت نفسه العالية إلى الإزدياد من تلقي العلوم على العلماء بمصر و الحرمين الشريفين كما تشوق لأداء فريضة الحج.. فخرج من بلدة فاس رأساً مع ركب الحجاج عام 1230 هجري – 1815 ميلادي . و لم يتخلف عن ركب الحجاج حتى مكة و حج آخر عام 1230 هجري – ديسمبر – 1815 ميلادي . و مكث بها طيلة عام 1231 هجري يتلقى العلوم على أكابر شيوخ و علماء العصر بمكة .( شيوخه بمكة )منهم الشيخ عمر بن عبد الكريم بن عبد الرسول العطار المكي و الشيخ عبد الحفيظ العجيمي و الشيخ محمد عابد السندي و الشيخ حسن بن عبد الله العطّار و الشيخ عبد الرحمن بن يوسف المدني و الشيخ ياسين المرغني و الشيخ محمد صالح الرئيس و الشيخ محمد السلمي الشافعي و الشيخ محمد البناني و الشيخ محمد القابسي المالكي و الشيخ محمد الهدبيني و الشيخ محمد بن عبد الله الفخري .( شيوخه من أهل المدينة )الشيخ صالح البدري ، و الشيخ عبد الرحمن الأنصاري ، و الشيخ محمد سفر بن محمد سفر مُسند الحجاز و راويه ، و الشيخ عبد الباقي الشعّاب ، و الشيخ محمد بن الحاج المغيربي ، و الشيخ محمد بن عبدالله المجدوب .( و من أهل اليمن )السيد يوسف البطاح الأهدل ، و الشيخ يوسف الأمير الصنعاني و الشيخ محمد العمراني الصنعاني ، و الشيخ محمد بن سليمان قاضي مخا ، و الشيخ محمد بن سليمان الأهدل قاضي زبيد ، و السيد الحازمي ، و الشيخ محمد عاكش الصبياني .( و من الوافدين إلى الحرمين )الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني ، و الشيخ أحمد بن عبد الله الشريف الجزيري ، و الشيخ محمد البشير البجاوي التلمساني ، و لم يُكتب لسيادته الإجتماع بالإمام العظيم السيد أحمد بن إدريس العرائشي حيث كان السيد أحمد في هذه السنة قد خرج من مكة إلى الصعيد بمصر و في نهاية عام 1231 هجري – نوفمبر – 1816 ميلادي . حج و رجع أول عام 1232 هجري صحبة ركب الحجاج إلى مصر و مكث بها بقية عام 1232 هجري – نوفمبر – 1817 ميلادي . يتلقى المزيد من العلوم على بعض خواص العلماء بها .( شيوخه بمصر )أولهم الشيخ علي الميلي التونسي ، و الشيخ ثعيلب الضرير ، و الشيخ محمد الصاوي من المالكية ، و الشيخ العطار و القويني و النجار من الشافعية ، و الشيخ محمد الأمير الصغير.(( عودته إلى فاس ))و في أول عام1233 هجري - نوفمبر – 1817 ميلادي . خرج ( من القاهرة ) صحبة ركب الحجاج و رافقهم عائداً إلى فاس و مكث بها مدة لا تزيد على الستة أشهر و هنا هيأه الله للنفع و الإرشاد و نفع العباد بدلالاتهم على الله فخرج من مدينة فاس أواخر عام 1233 هجري – أكتوبر – 1818 ميلادي . و توجه رأساً إلى مدينة الأغواط الواقعة في آخر الحدود الجزائرية من جهة الصحراء الكبرى و هذه البلدة هي مفتاح الصحراء الكبرى وهي ملتقى هام لكل من يأتي إلى صحراء شنقيط من مراكش و الجزائر فجلس فيها ما يقرب من نصف سنة تصدى خلالها للتدريس و الوعظ و الإرشاد حتى استفادت منه أممٌ كثيرة و تعلقوا به ، و ممن أخذ عنه بالأغواط و رافقه تلميذه الخاص و كبير إخوانه على الإطلاق الشيخ عبد الله التواتي دفين بدر .(( عودته إلى مستغانم ))ثم حنَّ إلى موقع رأسه الشريف فرجع إلى مستغانم أول عام 1234 هجري – ديسمبر – 1818 ميلادي. و مكث بها قريباً من سنة و نصف بين أهله و عشيرته و أقاربه و تزوج خلال هذه المدة و أنجب مولوداً و تُوفي صغيراً كما توفيت والدته بعده فخف حِملُهُ رضي الله عنه و عَنَّ لسيادته القيام برحلة إلى المشرق لموالاة الوعظ و الإرشاد و نفع العباد و نشر العلوم المفيدة و الدعوة إلى الله بالطريقة الحقيقية... فخرج من مستغانم رغم تعلق أهله و عشيرته به بغية بقائه بينهم غير أن نفسه الكبيرة الطموحة أبت عليه ذلك فتوجه و واصل سفره إلى بلدة جلفه منتصف عام 1235 هجري – مايو – 1820 ميلادي . و مكث بها قليلاً ثم والى رحلته إلى ( أبو سعادة ) و منها إلى حدود تونس ثم واصل رحلته إلى قابس في الأراضي التونسية و بعد إقامته بها يسيراً عطف على مدينة تونس و مكث بها مدة أسابيع قلائل و دخل مسجد الزيتونة بتونس و أخذ عن بعض كبار علمائها و تردد عليهم كما أخذ عنه بعضهم و طلبوا منه إلقاء بعض الدروس فلّبى طلبهم .( الإمام السنوسي في طرابلس )و في آخر عام 1235 هجري – سبتمبر – 1820 ميلادي . توجه إلى مدينة طرابلس الغرب فدخلها في آخر هذا العام و كان ذلك إبّان حكم ( يوسف باشا القرمانلي ) في شهر - أكتوبر – 1820 ميلادي .(1) وقد استقل ( يوسف القرمانلي ) عن الدولة العثمانية فأكرم نزله و مكث في مدينة طرابلس و ضواحيها مدة للوعظ و الإرشاد و نفع العباد و لم يترك مسجداً معروفاً إلا دخله و درّس فيه و أرشد ، و كان أغلب نزوله و إقامته عند الشيخ ( أحمد باشا المنتصر ) الذي تعرف عليه و تعلق به و أصبح هو و أبناؤه فيما بعد هم النائبون عنه في طرابلس و نالوا بذلك خيراً كثيراً و أحمد باشا المنتصر هو جد الشاعر الأديب الأستاذ ( أحمد ضياء الدين بن عمر باشا بن أحمد باشا المنتصر ) ، و والى رحلته إلى بلدة ( ازليتن ) بلاد الأشراف الفواتير و المدفون بها الولي الكبير الشيخ عبد السلام الأسمر رحمه الله فمكث فيها و درّس في مسجد الشيخ مدة من الزمن ثم تقدم إلى بلدة ( مصراته ) و بها المشايخ السادة المحاجيب و مقام الشيخ ( أحمد الزروق ) رحمه الله فنزل عند السادة المحاجيب في زاويتهم المعروفة هنالك و أقام في مصراطه زيادة عن السنة و جملة مدة إقامته ما بين طرابلس و ازليتن و مصراته سنتان قضاها في الوعظ و الإرشاد و الدعوة إلى الله و لذلك سبقت العناية لأهل تلك الجهة و تعلقوا بسيادته و جُل إخوانه الأولون و من عليهم المعول في الحضرة السنوسية من مصراته و ازليتن و مقاطعات طرابلس و هم " آل المحجوب و آل الأشهب و آل الدردني و آل السيد عمران بن بركة و آل بوسيف و آل بن فرج الله " و ..... غيرهم . و دخل الخلوة في زاوية السادة المحاجيب و درّس فيها .( مناسبة ) كان السيد رحمه الله في غاية من الجمال الخَلقي فضلاً عن الخُلُقي و كان في عنفوان شبابه و صادف أن كان يوماً من الأيام يُلقي درساً في زاوية السادة المحاجيب هذه و كان من بين المستمعين رجلٌ ذو مكانة يُحدِّق بنظره إلى السيد طيلة الدرس و خطر في باله أن هذا الجمال الفائق لا يسلم من كونه وقع منه أو عليه و وسوس له الشيطان أموراً معروفة.. فبعد أن أتم الدرس و قام الحاضرون حسب العادة المتبعة يسلمون على يده الشريفة للإنصراف.. و أتى هذا الرجل للتسليم عليه فقبض على يده و أجلسه بجنبه حتى خرج الناس ثم التفت إليه و قال له : يا أخي إن الذي حفظنا في الكِبَر حفظنا في الصَغُر فخجل هذا الرجل و عّدّ أن هذه كرامة لهذا السيد الجليل عظيمة.حاشية : عائلة القرمانلي بطرابلس الغرب في سنة 1123 هجري – 1711 ميلادي . وثب المدعو أحمد بك القرمانلي أحد جنود الانكشارية - و معنى الانكشارية ( الغزاة العثمانيون ) - على والي طرابلس الغرب المُسمى ( محمد أميس ) فعزله بمساعدة الجنود و تولى الحكم في طرابلس الغرب بدله.. و كانت في أحمد القرمانلي جرأة و حسب للعدل و الإنصاف فتحبب إلى الجند و الأهالي و بذل جهوداً كبيرة في الإصلاحات العامة و أول عمل اشتهر به هو محاربته لخليل باشا الذي كان قدم من الأستانة والياً لطرابلس بأمرٍ سُلطاني.. فتنكر له أحمد القرمانلي و منعه من دخول البلدة فدارت بينهما حروب شديدة قُتل في آخرها خليل باشا و فر من بقي ممن معه بأسطولهم و رجعوا إلى الأستانة فغضب السلطان ( أحمد الثالث ) بن محمد بن إبراهيم الذي كان مشغولاً في وقته بمحاربة الروس و النمسا.. فأرسل المُسمى ( محمد باشا جانم خوجه ) للتحقيق في موضوع قتل خليل باشا فقابله أحمد القرمانلي و أخفى عليه كل شيء و منع الناس من مقابلته و في نفس الوقت أكرمه فرجع دون أن يتحصل على نتيجة .. و استمرت ولاية أحمد القرمانلي فأتاه فرمان من السلطان أحمد المذكور و بذلك تمت ولايته و نفذت كلمته .. ثم ثار عليه أهالي بلدة تاجورا و أهالي مسلاته و شقوا عصا الطاعة .. فحاربهم حتى أذعنوا و رجعوا إلى طاعته و الانصياع لأمره ..و في زمن ولاية أحمد القرمانلي ثار المدعو ( علي بن عبد الله بن عبد النبي الصنهاجي ) و عاث في الأرض فساداً ثم توجه إلى جهة برقة و الجبل الأخضر فنهب خراج واحة ( أوجلة ) و أتعب الأهالي.. فأرسل إليه أحمد القرمانلي قوة من جيشه و التقى الجمعان و دارت الحرب بينهم فكان النصر حليف قوات القرمانلي .. و قُتِل ( الصنهاجي ) مع أغلب أتباعه.. و في نفس السنة عقد أحمد القرمانلي لأخيه الحاج شعبان آغا و ولاه على برقة و الجبل الأخضر وبعث معه قوة عسكرية يرأسها المدعو ( إبراهيم الترياكي ) و معه الشيخ ( علي الأدغم ) و بعد مدة من الزمن خرج قائد الجيش " إبراهيم الترياكي " عن طاعة ( الحاج شعبان ) و قبض عليه في بلدة درنة و ساعده في ذلك الشيخ " علي الأدغم " ثم رجع الإثنان من بلدة درنة متوجهين إلى الجبل الأخضر و منه إلى بنغازي مروراً بسرت و مصراته و كلما مروا بقبيلة أو بلاد طالبوها بمتابعتهم و غرضهم هو خلع ( أحمد باشا القرمانلي ) .. فلما قربوا من مدينة طرابلس خرج إليهم القرمانلي و حاربهم و شتت شملهم و استولى على كل ما معهم.. فشرد الأدغم إلى أرض مصر .. و أما الترياكي فقد هرب إلى قبيلة المحاميد و جمع أوباشاً معه و عاد ثانياً إلى الفساد ..فأرسل إليه أحمد القرمانلي قوة بقيادة ( إبراهيم بك ) فحاربه حتى قضى عليه و على من معه.. و بهذه الإنتصارات قويت شوكة أحمد القرمانلي و علا صيته بين المدن و القبائل ..و فعلاً أجرى إصلاحات هامة في مدن طرابلس ..فبنى المساجد و المدارس و القلاع.. و دامت ولايته 35 عاماً .. وكانت وفاته سنة 1158 هجري – 1745 ميلادي .. و كان أثناء فترة حكمه قد طلب فرماناً من الباب العالي بتولية ابنه ( محمد باشا ) بعده.. فتولى محمد باشا القرمانلي بعد أبيه أحمد و كانت البلاد مهددة و لم يحدث في عهده تشويش إلا أنه غلط و عقد معاهدة مع الإنجليز بدون إخبار أو وساطة الباب العالي.. و اجتهد في تقوية أسطوله الحربي ..فقوي و كانت له هيبة عظيمة في حوض البحر الأبيض و دامت ولايته تسعة أعوام ثم تُوفي سنة 1167 هجري – 1754 ميلادي. فتولى بعده ابنه ( علي باشا القرمانلي ) فسار بسيرة جده أحمد و ضبط البلاد و حال دون الفساد و استراحت الناس مدة من الزمن ..ثم في آخر ولايته مال إلى الراحة و أهمل البلاد ..فكثر فيها الفساد و النهب و السلب و ساءت الحالة جداً فاضطر بعض الأهالي إلى الشكوى و رفع الأمر إلى الباب العالي لإغاثتهم بمن يقوم بأمر البلاد ..جبروت يوسف القرمانلي و طغيانهسمع ( يوسف بيك ) أصغر أولاد على باشا القرمانلي بأمر الإستغاثة بالباب العالي و خشي أن يأتي ضابط من الأستانة فيأخذ منهم الولاية .. فقصد الشيخ ( خليفة بن عون المحمودي ) شيخ قبيلة ( النويرات ) و طلب منه معاضدته للوصول إلى الحكم .. و عزل والده لأنه كبر و أصبح عاجزاً عن القيام بأمور الولاية.. فوافقه ( المحمودي ) و جمع جموعه و أتى معه لحصار مدينة طرابلس... و لما وصل يوسف القرمانلي القلعة دخل على أخيه ( حسن بيك ) ليقتله فمنعته أُمه.. فقطع يديها و قتل أخاه و شدد الحصار على والده !!! و في هذه الفترة قدم من الأستانة ( علي بُرغل باشا ) والياً لطرابلس بأمر السلطان العثماني .. و فوجئ يوسف بيك بوصول (علي بُرغل باشا ) كما أسقط والده المُحاصر في يده .. و فكروا في محاربة القادم ... و لكنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على محاربته.. فقرروا الخروج جميعاً من طرابلس هاربين إلى تونس و في صحبتهم الأخ الأكبر ( أحمد بيك القرمانلي ) فأكرمهم والي تونس ( حموده باشا ) و بعد مضي فترة من الزمن أرسل والي طرابلس ( علي برغل باشا ) حملة إلى بلدة ( جِربة ) فاستولى عليها.. و قد كانت تابعة لولاية تونس فغضب والي تونس حموده باشا و جهز حملة كبيرة و أرسلها لمحاربة ( علي بُرغل باشا ) و أرسل مع الحملة أبناء (علي باشا القرمانلي ) يوسف بيك و أحمد بيك فخرجت الحملة من تونس و كلما مرت ببلدة أو قرية أو قبيلة هددتها بالحرب إن لم تستسلم و تذعن لأمرهم ..وصلت الحملة إلى ولاية طرابلس و اشتدت الحرب فيها بين الفريقين ثم أحس ( علي برغل ) بالهزيمة فشرد و ترك الولاية و عمد إلى مصر و سُلِمت البلد لقائد الحملة ( مصطفى خوجه ) و قد نصب مصطفى خوجه بدوره أكبر أولاد علي باشا القرمانلي ( أحمد بيك ) والياً لطرابلس و بذلك عادت ولاية طرابلس لآل القرمانلي .. و لم تدم ولاية ( علي برغل ) إلا سنتين فقط .. ثم نصب مصطفى خوجه أيضاً يوسف بك القرمانلي أميراً للعُربان تابعاً لأخيه أحمد بيك.. فدامت ولاية أحمد بيك القرمانلي سنة واحدة فقط حيث انقلب عليه أخوه يوسف و عزله و أودعه السجن و تولى الولاية بعده و ذلك سنة 1210 هجري – 1795 ميلادي .يوسف باشا والياً على طرابلسكان يوسف متمتعاً بجرأة و شدة بأس.. فهابته الأهالي و الجنود..و استقامت ولايته..ثم راسل والي تونس و طلب منه التوسط لدى مقام الخلافة للموافقة على ولايته لطرابلس فتوسط له و تمت الموافقة من الباب العالي فجَدّ يوسف و اجتهد و رتب الأمور و ساس البلاد و تتبع الأشرار و أجرى إصلاحات عظيمة و أصلح الأسطول و زاده حتى بلغ ( 13 أسطولاً ) يجوب البحار .. و هابته السفن الأجنبية و بنى أبراجأ و قلاعاً حصينة و عمرّ أسواقاً و مهد طرقاً و ازدهرت البلاد في أول ولايته و وسطها ..يوسف القرمانلي يعين ( نابليون بونابرت ) على احتلال مصر!!و في عهده أحتل ( نابليون بونابرت ) مصر سنة 1213 هجري - 1798 ميلادي . و كانت بين يوسف و نابليون صداقة .. و لذلك ساعده على غزو مصر ببعض أساطيله .. مقابل ذلك وقف نابليون دائماً في صف يوسف القرمانلي عندما وقعت مناوشات حربية بينه و بين الأسبان و الجنوييين ( الإيطاليين ) و اليونان و الإنجليز.. و خلال ولاية يوسف باشا هاجمت البحرية الأمريكية لأول مرة سواحل طرابلس الغرب ، و قد كان أخوه ( أحمد بيك ) المعزول قد فرّ من السجن و لحق بجزيرة مالطة... فانتهز الأمريكان الفرصة و اتصلوا بأحمد بيك و جهزوه بحملة و أنزلوه بساحل مدينة درنة مزوداً بقوة من جنود البحرية الأمريكية و ذلك سنة 1217 هجري – 1802 ميلادي . ففرح الأهالي و رحبوا بمقدم ( أحمد بيك القرمانلي ) خاصة بعد أن قطع الأمريكان على أنفسهم عهداً بمساعدته حتى يستعيد حُكمَه من أخيه يوسف باشا .. فاحتال يوسف و وسّط والي الجزائر ( حسن بيك ) كما وسّطَ قنصل بريطانيا في طرابلس للمصالحة مع الأمريكان .. و نجحت الوساطة و عُقدت معاهدة صًلح بين يوسف القرمانلي و الأمريكان و بموجبها أقلعت السفن الأمريكية عن درنة بعد أن نقضوا عهدهم مع أخيه ( أحمد بيك ) و اصطحبوه معهم إلى الإسكندرية ثم أهملوه بها ..يوسف القرمانلي يخضع برقة و فزان لسلطتهأرسل يوسف باشا ابنه ( محمد بيك ) في جيش كبير لمقاومة عمه ( أحمد بيك ) .. فوصل هذا الجيش إلى درنة بعد أن انسحبت سفن الأمريكان منها .. ووفدت إليه العُربان و القبائل حيث جددوا البيعة لوالده يوسف باشا. و في زمن ولاية يوسف باشا تمرد أهل غريان فنبذوا أوامره فأدبهم و أبادهم ، كما ثار الشيخ ( أحمد سيف النصر ) سنة 1221 هجري – 1806 ميلادي ، و نبذ الطاعة و تعرض لبعض السفن في البحر فأرسل إليه يوسف باشا ابنه محمد بيك و حاربه و قتله و أخذ ابنه ( عبد الجليل سيف النصر ) أسيراً إلى طرابلس .. و ثار أيضاً أهل مدينة ( غدامس ) و عصوا ..فحاربهم و أجبرهم على الخضوع .. و في سنة 1227 هجري – 1812 - ميلادي . امتنع حاكم فزان ( محمد الشريف ) عن دفع الزكاة و الضرائب فأرسل إليه يوسف باشا (( محمد المكنى ) و لما قارب فزان اتصل ( محمد المُكنى ) بابن أخي حاكم فزان و قال له : إن تحايلت في قتل عمك و ليتك و جعلتك مكانه.. فذهب هذا و احتال على عمه و قتله غيلة... و لما دخل ( المكنى ) فزان طلب القاتل و أوعز إلى بعض أقربائه بأن يطالبوه بدمه... و أحضروا الشهود فسلمه لهم و قتلوه " و هكذا تفعل الحكام ".نهاية حكم آل القرمانليبعد أن طالت مدة حكم يوسف باشا و كبر و ضعف جسمه و قل تفكيره... اختلت أموره و تجاسرت عليه الدول و القبائل كما ثار عليه الشيخ ( عبد الجليل سيف النصر ) سنة 1242 هجري – 1827 - ميلادي . و ثار عليه كذلك أهل الجبل الغربي .. و بدأت الأمور لديه تتفاقم حيث ناوشته حكومة نابولي و سردينية و جينوة و أسبانيا و فرنسا و بريطانيا : كلهم اتفقوا على التسلط عليه و الحد من سطوته.. و في نفس الوقت نفد ما بيده من الخزانة.. فاضطر إلى تحميل الأهالي ما لا يُطيقون من الضرائب و قسم الولاية بين أولاده فأعطى لأبنه (علي الكبير ) غريان و لأبنه (مصطفى بيك ) مصراته و لإبنه عثمان مدينة الخمس و لإبنه عمر ورفلة و لإبنه إبراهيم ازليتن و لمملوكه مصطفى بيك ( درنة ) فأصبح كل فرد من أولاده يعمل خلاف المصلحة العامة للبلاد.. فساءت الحالة العامة جداً و ثار أهل المنشية على ( يوسف باشا ) و معهم ولده ( محمد بيك ) واستغلت الدول الأجنبية ضعف سلطته..و سقطت هيبته في قلوب القبائل فتنازل لأبنه ( علي بيك ) سنة 1249 هجري - 1833 – ميلادي . بعد أن دام حكمه 39 سنة. فازداد الثوار عتواً و نفورا.. وكان قد وصل إلى طرابلس ( شاكر أفندي ) موفداً من قبل السلطان لـ ( علي بيك ) الذي تنازل له والده ، و لكن شاكر أفندي وجد البلاد في حالة فوضى و وجد عموم الأهالي مُصرين على التخلص من عائلة القرمانلي ، فرجع إلى استانبول و أخبر السلطان ( محمود الأول بن عبد المجيد الأول ) بحالة البلاد فعين الفريق ( نجيب باشا ) والياً لولاية طرابلس الغرب فقدم إليها و معه اثنان و عشرون أسطولا حربياً محملة بالجنود و المعدات و الأرزاق.. فاحتفل علي بيك بقدومه أولاً ثم بعد شهر طلب نجيب باشا علي القرمانلي إلى إحدى المراكب باسم الضيافة.. فلما وصل إليه أمر بإلقاء القبض عليه و نزل بجنوده إلى البر و أعلن ولايته لطرابلس ثم قرأ الفرمان السلطاني بتوليته.. ففرح الناس فرحاً شديداً و لما سمع محمد بيك بن يوسف باشا بمصير أخيه ( علي القرمانلي ) أقدم على قتل نفسه !! و فر أخوه أحمد بيك يوسف إلى مالطة . و أما علي القرمانلي و أتباعه فقد أرسلهم نجيب باشا إلى استانبول . و بذلك انطوت صحيفة القرمانليين و انتهى حكمهم سنة 1251 هجري – 1835 – ميلادي . و ذلك بعد أن دام قرابة ( 126 سنة ) . و سبحان من لا يزول حكمه و سلطانه.( رحلة الإمام السنوسي الأولى إلى برقة و مصر )في أول عام 1238 هجري – 1822 – ميلادي ، أستأنف رحلته إلى برقة و قبل وصوله إلى مدينة ( إجدابيا ) مر على نجع شيخ قبيلة المغاربة الشيخ ( علي لطيوش ) فأكرم نُزله و قام بخدمته خير قيام دون سابق معرفة و رافقه إلى ( إجدابيا ) و جهزه إلى واحة ( أوجلة ) فنال بذلك خيراً لم يزل أثره في عقبه .. و لم يمر السيد السنوسي في رحلته هذه على مدينة ( بنغازي ) و لا على المدن الساحلية بل توجه إلى أوجلة و زار صاحب رسول الله ( عبدالله بن سعد بن أبي سرح ) رضي الله عنه و فاز بمعرفته أهل أوجلة قبل غيرهم و منهم الشيخ ( عمر بو حوا الأوجلي ) تعرف عليه و أخذ عنه العلم الشرعي و لحقه بعد ذلك في الحجاز .. و لم يرافقه في طريقه هذه سوى مملوك لسيادته و السيد ( عبدالله التواتي ) الذي لازمه و لم يفارقه منذ أن تعرف عليه ، و أخذ عنه في مدينة الأغواط الجزائرية ، و كان الشيخ محمد بن علي السنوسي يتنقل مع بعض القوافل و يرافقها من مكان إلى آخر حتى وصل إلى مدينة ( القاهرة ) عن طريق الصحراء ، و بمروره على قبيلة المغاربة و نزوله بإجدابيا تعرف عليه كثير من أهالي برقة البيضاء و شاع ذكره الطيب في عموم برقة ، و تحسر الكثير لعدم رؤيته.. و كان وصوله إلى القاهرة متوسط عام 1238 هجري – 1823 ميلادي . إبان حكم ( محمد علي باشا ) مؤسس العائلة الخديوية بمصر .. فنزل في بعض أروقة الجامع الأزهر لكونه لم يظهر أمره بعد.. و فعلاً لم يشتهر إلا بعد اجتماعه بأستاذه السيد ( أحمد بن إدريس العرائشي ) و أخذ العلم عنه في مكة كما سيتضح فيما بعد .. ثم قام بزيارة شيوخه الذين كان قد أخذ عنهم العلم عام 1232 هجري – 1817 ميلادي كما تقدم ذكرهم.. و تردد على حلقات كبار المشايخ أولاً ثم أخذ عن بعضهم و بدأ يشاركهم في التدريس حُسبة لله.. و سمع به طلبة العلم .. فلم يتخلف أحدٌ ممن سمع به حيث وجدوا عنده ضالتهم التي ينشدونها و تغربوا من أجلها .. و بعد إقامته بمصر قرابة سنتين و نصف والى رحلته إلى مكة المكرمة عن طريق الحاجّ الصحراوية و بصحبته حُجاج عام 1241 هجري – 1826 ميلادي . فمر على المحطات الآتية : البركة و البويب ثم عجرد ثم النواطير الأول و الثاني و الثالث و كلها أنصاب في صحراء سيناء الرملية ، فالعلوة ، فجنادل حسن ، فقرية نخل ثم بئر قريص ، و يُقال لها بئر طابة ثم أيله و هي إيلات ( مدين ) ( فالعقبة ) فحقل ثم الشرفا فمغاير شعيب و عيون القصب ثم المويلح ثم سلمى فاصطبل عنتر ثم الوجّة فعكرة و الحنك فالحوراء فالخضيرة فينبع البحر ثم الشعيفة فمستورة فرابغ فبئر الهندي ثم القضيمة فخليص فعسفان فقديد فمر الظهران فمكة المكرمة .. و ما بين مكة و مر الظهران مقام أم المؤمنين سيدتنا ( ميمونة الهلالية ) رضي الله عنها في منتصف الطريق ، و كذلك قبل دخول مكة بنحو خمسة فراسخ توجد قرية التنعيم و هي محل العُمرة بالنسبة لسكان مكة و هذا المكان هو الذي اعتمرت منه أم المؤمنين سيدتنا ( عائشة ابنة أبي بكر الصديق ) رضي الله عنها .. و ما بين التنعيم و مكة محل يُسمى في الوقت الحاضر الشهداء و هذا المكان هو( فخ ) الذي وقعت فيه مقتلة الحسنين ( سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب ) أيام الخليفة ( محمد الهادي العباسي ) و التي بسببها فر السيد ( إدريس الأكبر ) ابن عبد الله الكامل إلى المغرب..و كانت فاجعة عظيمة فني فيها الكثير من الحسنيين و الحسينيين ( سلالة الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين ) . ( وصوله إلى مكة المكرمة )كان وصول السيد محمد بن علي السنوسي إلى مكة المكرمة في النصف الأول من شهر ذي القعدة عام 1241 هجري – 1826 ميلادي . و كان السيد السنوسي قد نذر لله تعالى وقف نفسه الشريفة على خدمة الكعبة المشرفة إذا سخر الله له و عاد إليها تقرباً إلى الله تعالى و تواضعاً له و مجاهدة لنفسه الشريفة .. و كان عازماً على المضي في ذلك .. غير أن الله تعالى رفع قدره الشريف و هيأه لما هو أعم و أنفع .. و من تواضع لله رفعه ، فاجتمع بعد وصوله مكة المكرمة بنخبة العلماء و الأولياء الجامع ما بين الطريقة و الحقيقة مُربي المريدين و مُحي سنة جده الأمين ذي المدد النفيس السيد ( أحمد بن عبد الله بن إدريس ) رحمه الله.. فأخذ عنه و انقطع إليه بعد أن قام بوفاء نذره و اشترك في خدمة الحرم الشريف بقدر ما يسر الله له.( ولادة السيد الإمام أحمد بن إدريس و نشأته )كانت ولادة هذا الحَبرُ العظيم عام 1163 هجري – 1750 ميلادي . ببلدة ميسور أو ببلدة العرائش التابعة لسلطنة فاس و مراكش و كان لهذا الإمام العظيم شأن كبير حيث نشأ أولاً في موقع رأسه الشريف " العرائش " و بعد أن ترعرع و حفظ القرآن العظيم و كثيراً من المتون و نال قسطاً وافراً من العلوم و بلغ العشرين من عمره انتقل إلى بلدة فاس عاصمة السلطنة المغربية إذ ذاك و انتسب إلى جامع القرويين بها ، و مكث يطلب العلم أولاً ثم يدرِّس ثانياً نحواً من ثلاثين عاماً .. إلا أنه كان يرحل أحياناً أثناء دراسته هذه إلى بعض الشيوخ الكبار في بعض ملحقات فاس للأخذ عنهم ، و لم يترك في زمنه أحداً من الشيوخ المعتبرين و الذين عاصرهم إلا و رحل إليه و أخذ عنه العلم .. و هؤلاء شيوخه رضي الله عنه و عنهم. ( شيوخ الإمام أحمد بن عبدالله بن إدريس بفاس و بلاد المغرب )أولهم الإمام المُحدث الكبير الشيخ محمد التاودي بن سودة المتوفي سنة 1209 هجري – 1795 ميلادي . و الشيخ محمد أبو عبد الكريم الذهبي المتوفي سنة 1199 هجري. – 1785 ميلادي . و الشيخ عبد القادر بن أحمد العربي بن شقرون المتوفي سنة 1216 هجري – 1801 ميلادي . و الشيخ المجيدري الشنقيطي ، و كان شيخه في السلوك أولاً ثم كان خاتمهم بفاس الشيخ الكبير عبد الوهاب التازي و هو الذي تمّ أمره و علا شأنه على يده إذ كان عمدته في كافة مروياته ، و كان الشيخ عبد الوهاب التازي - قبل أن يعرفه السيد أحمد بن إدريس - يحضر كمستمع في حلقة السيد أحمد بن إدريس و كان يعجبه صوته كما تعجبه طريقة تدريسه ، و كان السيد أحمد بن إدريس يرجع في أموره و مشاوراته و سلوكه إلى الشيخ المجيدري الشنقيطي ، و كان المجيدري تلميذاً للشيخ عبد الوهاب التازي .. و صادف أن عرضت مسألة للسيد أحمد بن إدريس فاستشار فيها شيخه المجيدري فقال له : حتى أشاور شيخي التازي .. فقال له السيد أحمد بن إدريس ألك شيخ أكبر منك؟ قال نعم! شيخي و عمدتي هو الشيخ عبد الوهاب التازي ، فقال له : إذن اجمعني به .. فأتى المجيدري إلى التازي و أخبره فقال له ذات مرة : ليأتيني... فجاءه الإمام أحمد بن إدريس و أخذ عنه العلم و انقطع له كلياً ، و كان يلازم طريقة الحياء معه و لا يرفع صوته عنده .. فكان الشيخ التازي يقول له أحياناً : وين تلك الهدرة يا أحمد.. ويعني بذلك نبرات صوته لما كان يُدرِّس ببلدة تازة من بلدان المغرب الأقصى قرب حدود الجزائر ، و كانت مدينة علم و رخاء و لا تزال كذلك . و بعد ملازمة السيد أحمد بن إدريس للشيخ عبد الوهاب التازي مدة مباركة قدر الله و تُوفي رحمه الله. و بعد وفاة العلاَّمة التازي لازم السيد أحمد بن إدريس الشيخ أبا القاسم الوزير ، و كان من الصالحين الكبار و ذوي المقامات العالية إلا أنه كان متستراً .. غير أن المدة لم تطل ، فتوفي الشيخ أبو القاسم الوزير ، و بعد وفاته عقد السيد أحمد بن إدريس العزم على التوجه إلى جهة المشرق و الحجاز ليتزود بعلوم أكثر و ليقضي فرضه و يتشرف بزيارة جده الأعظم سيدنا محمد و ليهاجر إلى الحرمين الشريفين.( رحلة السيد أحمد بن إدريس من فاس إلى المشرق )بدأت رحلته من فاس أواسط عام 1212 هجري – 1797 ميلادي . و مر في طريقه على الجزائر و تونس و طرابلس و بنغازي .. كل ذلك سيراً ، و كان طريق البر من بنغازي إلى حدود مصر تَحُفُهُ المخاطر من بعض الأعراب المتحاربين.. لذلك قرر الركوب بحراً من بنغازي إلى الإسكندرية بعد أن مكث في بنغازي مدة من الزمن تعرف أثناءها على بعض العائلات و ألقى دروساً في بعض مساجدها و أثنى على أهلها و على أهل الجبل الأخضر و برقه و قال فيهم " هذه بلادنا ..فيها تحيا أورادنا.. حيها سعيد و ميتها شهيد .. طوبى لمن أراد الخير بأهلها و ويلٌ لمن أراد الشر بأهلها " و كانت إشارته هذه إلى السيد محمد بن علي السنوسي حيث هو الذي أخذ عنه و هو خليفته الذي أحيا علومه و أوراده.. ثم أبحر من بنغازي عام 1213 هجري 1798 – ميلادي . بمركب شراعي إلى الإسكندرية ، و عند وصوله إليها و نزوله بالجمرك كانت معه كُتبٌ ثمينة قيمة لا تُفارقه لحظة و لا يرضى بها بديلاً .. فجاء المفتشون بالجمرك و سألوه عنها و كانت الكتب داخل أكياس محكمة القفل لأجل الحمل في السفر ، فقال لهم : هذه كُتُب..فأخذوا يطعنون الأكياس بأسياخ الحديد المجوفة و هو يصيح و يقول لهم " حرام ٌ عليكم لا تمزقوا كتبي " فلم يلتفتوا إليه .. عند ذلك رفع يديه إلى السماء و قال : يا رب.. جيب لهم النصارى .. أي سلط عليهم النصارى . و قد استجاب الله دعاءه فلم تنتهي تلك السنة حتى دخلها القائد الفرنسي نابليون بجيوشه سنة 1213 هجري – 1798 – ميلادي . و استولى على الإسكندرية و سواحلها .. و بعد وصول الإمام إلى القاهرة توقف بالأزهر مدة يسيرة قام خلالها بإلقاء بعض الدروس في جامع الأزهر .. فأُعجب به كل من حضره و سمع عنه .. و لذلك أخذ عنه شيوخٌ كثيرون ، و رافقه بعضهم إلى الحجاز .. ودخل مكة آخر عام 1213 هجري – 1799 ميلادي . و مكث في الحرمين الشريفين ما بين مكة و المدينة و الطائف قُرابة ثلاثين عاماً قضاها في التدريس و نفع العباد و إرشادهم إلى الطريق المستقيم و دعوتهم للعمل بما يوجبه عليهم دينهم الإسلامي الحنيف.. هذا و قد خرج الإمام بن إدريس من مكة قاصداً الصعيد بمصر لغير مرة ..قام خلالها بالدعوة إلى الله .. و أخذ العلم في الصعيد عن الشيخين الجليلين ( حسن بن حسن الفنائي ) و ( محمود الكردي ) .. ثم عاد إلى مكة المكرمة دون إقامة طويلة و إنما كانت جملة إقامته في الصعيد حوالي خمسة أعوام . و لم يبق خلال هذه الفترة عالم من علماء الحرمين الشريفين أو ممن يفد على الحرمين إلا و تتلمذ عليه و أخذ عنه .. و ممن أخذ عنه الشيخ محمد بن عثمان المرغني " مؤسس الطريقة المرغنية " و الشيخ إبراهيم الرشيدي مؤسس الطريقة الرشيدية و الشيخ محمد حسن ظافر المدني الدرقاوي و الشيخ محمد عابد سندي صاحب الأسانيد المُسمّاة " حصر الشارد في أسانيد محمد عابد " و منهم الشيخ ( محمد الصاوي الخلوتي ) خليفة الشيخ " دردير " و منهم العلامة عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مفتي زبيد ، و منهم الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي قاضي بيت الفقيه و منهم أحمد بن عبدالله صائم الدهر و منهم العلاّمة أحمد بن محمد الديلمي من قضاة زُبيد و الشيخ سليمان بن أبي القاسم الأهدل و العلامة عبد الكريم العنسمي .. و غيرهم ممن لا يُحصون .. و تخرج على يديه أعلامٌ خدموا هذا الدين الإسلامي الحنيف – جزاه الله عن المسلمين خير الجزاء - و أثناء وجوده بمكة سنة 1218 هجري – 1803 – ميلادي . دخلها السعوديون و كانوا يطلقون عليهم " الوهابيون " لإتباعهم الشيخ ( محمد بن عبد الوهاب ) داعية نجد ، و كان أميرهم إذ ذاك الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.. ثم خرجوا من الحجاز و بعد وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود عام 1220 هجري – 1805 - ميلادي. تولى ابنه الإمام سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود و دخل الحجاز ثانياً عام 1221 هجري – 1806 – ميلادي . و مكث السعوديون بالحجاز سبع سنوات.. ثم حاربهم حاكم مصر ( محمد علي باشا ) بأمر من الحكومة العثمانية و أخرجهم عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي . وكان أمير مكة إذ ذاك من الأشراف و اسمه الشريف ( غالب بن مساعد ) .( دخول الأمير سعود بن عبد العزيز لمكة و لقائه السيد أحمد بن إدريس )كان للسيد أحمد بن إدريس أتباع كثيرون..و كان بعضهم قد تصدى للرد و القدح في معتقد الشيخ ( محمد بن عبد الوهاب ) فلما قدر الله و جاءت الجيوش السُعودية لاحتلال مكة ، قال هؤلاء العلماء للسيد أحمد بن إدريس: أُخرج بنا من مكة لأنهم إن وجدونا بها بطشوا بنا ، فقال لهم : إنني لا آمر أحداً منكم بالخروج من مكة و لا أنهاه .. غير أني أقول لكم : من بقى فلن يلحقه إلا الخير إن شاء الله تعالى.. , أما أنا فإني مقيم بمكة و لن أخرج منها.. فهرب بعضهم و بقي البعض الآخر .. و بعد وصول الأمير سعود و دخوله مكة ، و قد كان شديداً و متعصباً لمذهبه .. جاءه السيد أحمد بن إدريس حسب العادة للتهنئة و السلام عليه.. فقابله بن سعود بحفاوة بالغة و أكرمه إكراماً عظيماً و ألبسه مشلحاً بيده ثم قال له : يا شيخ كنا أحق بزيارتك و ما كنت لتكلف نفسك.. ثم اصدر أوامره إلى كافة حاشيته بعدم التعدي على أحدٍ من أتباع السيد بن إدريس.. كما عفا عن أصحابه الذين كانوا يطعنون في معتقد الشيخ ( بن عبد الوهاب ) و كان الإمام سعود الكبير هذا قد أمر بتقتيلهم من قبل و لو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة ..فعفا عنهم و حقن دماءهم .. و هذه سجايا آل سعود و مكارم أخلاقهم التي ورثوها عن أوائلهم و هي العفو عند المقدرة و ألا يؤاخذ المسيء بإساءته ، و قبول عذر المعتذر مهما كان ذنبه .. و بذلك مكن الله لهم في البلاد و سخر لهم القلوب و العباد ، و الله لا يضيع من أحسن عملا.. فتعجب الناس لهذا التسخير الإلهي.. ثُم إن السيد أحمد بن إدريس أمر أتباعه بعدم المجادلة أو المناظرة مع أي إنسان .. و إذا سُئلوا عن أي قول أو مذهب يقولون : لا إله إلا الله فقط. و صار هذا ديدنهم مدة وجود السعوديين بمكة و هي الفترة من 1121 هجري – 1709 ميلادي . إلى غاية عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي.( عود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي )بعدما أن وصل مكة و استقر بها كما تقدم ذِكره أي آخر عام 1241 هجري – 1826 ميلادي . و أخذ العلم عن السيد أحمد بن إدريس و انقطع إليه إنقطاعاً كلياً بظاهره و باطنه.. و امتزجا امتزاجاً روحياً كاملاً.. فقد صارح السيد ( أحمد بن إدريس ) كافّة أتباعه و تلاميذه بأنه خلف عنه تلميذه الوقور السيد ( محمد بن علي السنوسي ) و أنابه عنه في حالة حضوره و غيابه و موته و حياته .. و صار يقول لهم : ابن السنوسي أنا و أنا ابن السنوسي فمن تبعه تبعنا و من خالفه خالفنا . و كان هذا التصريح يحرك غيرة بعض تلاميذه و يثير منافستهم في مناسبات كثيرة. و في عام 1242 هجري – 1827 ميلادي . عَنَّ للسيد أحمد بن إدريس الخروج من مكة إلى جهة اليمن حيث كثر تلاميذه و أتباعه بها ، و قد أكثروا من إلحاحهم على سيادته لزيارة بلدانهم و وطنهم لنشر علومه بها ، فكان يستخير الله في ذلك مرات عديدة .. فرأى من الإشارات ما يشجعه على السفر ، و فعلاً تجهز و خرج من مكة بعد أن مكث بها بما تقدم ذكره.. و بعد أن ترك في الحرمين الشريفين آثاراً خالدة إلى يوم القيامة و كوَّن رجالاً خدموا الدين الإسلامي خدمة صحيحة مفيدة ، و كان الإمام ( بن إدريس ) كثير الزواج كما كان الناس يتبركون و يتشرفون بمصاهرته ، و لقد أنجب كثيراً من الأولاد غير أنهم كانت لا تُكتب لهم الحياة.. و قد سمعت من أستاذي المجاهد العظيم ( أحمد الشريف السنوسي ) قوله : دفن السيد ( أحمد بن إدريس ) في مقبرة المُعلا بمكة ستين ولداً ذكراً من صُلبه.. و لم يعش له إلا السيد محمد الملقب بالغوث و المولود ببلدة الطائف عام 1218 هجري – 1803 ميلادي . و في آخر حياته رُزق بولد سماه ( عبد العال ) و ثالثاً صغيراً أسماه مصطفى و قد توفي صغيراً . و لما عزم السيد أحمد بن إدريس على الخروج من مكة إلى اليمن تعلق به أتباعه و معظم تلاميذه و منهم الإمام محمد بن علي السنوسي ..و ساروا معه مراحل حتى وصل إلى بلدة الليث التي تبعد عن مكة أربع مراحل جهة اليمن فتوقف فيها و جمع تلاميذه المتعلقين به من الحجاز و غيره وقال لهم : ابن السنوسي منا و نحن منه و هو خليفتنا و القائم مقامنا .. فمن أراد منكم أن يرجع معه فليرجع ، و من له القدرة على السفر و أراد مرافقتنا فليفعل.. ثم أمر خليفته ( محمد بن علي السنوسي ) بالرجوع إلى مكة و أمره أن يقوم مقامه في كل ما له و عليه من نشرٍ لدعوته و تعليم تلاميذه .. ثم أهدى له جارية حبشية هي السيدة ( خديجة الحبشية ) رحمها الله و التي أنجب منها أربعة عشر ولداً ذكراً و لكنهم لم تُكتب لهم الحياة حيث كان أغلبهم يولد سقطاً و كلهم مدفونون بمقبرة المعلا بمكة المكرمة .و كانت من الصالحات القانتات ، و كانت ترافق السيد السنوسي في أسفاره و تتحمل المشاق في خدمته و تمريضه و لم تفارقه لا في سفر و لا في حضر حتى سفره الأخير إلى برقة حيث أبقاها في المدينة المنورة و التي توفيت بها ؛ و كانت السيدة خديجة هذه قد بشرت السيدة والدة (محمد المهدي السنوسي ) و شقيقه ( محمد الشريف السنوسي ) بأنها سوف تنجب و قالت لها : إني رأيت في المنام زوجي ابن السنوسي و قد أعطاني سوارين من ذهب و أعطاكِ سوارين من فضة .. فعرفت أنّ من تنجبيه يفُضُ و يكبر .. و أن ما أنجبه أنا يذهب.. و فعلاً كان ذلك بأمر الله ، و قد كان من صفاتها أيضاً أنها كانت حادة المزاج سريعة الإنفعال مُستجابة الدعوة.نعود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي ، فبعد أن ودع شيخه السيد أحمد بن إدريس رجع إلى مكة مع من رغب الرجوع من الإخوان ، و عند وصوله مكة بدأ سيره و عمله على نهج أستاذه و هديه و طريقه حذو القذة بالقذة دون زيادة أو نقصان و نزل في وسط جبل أبي قبيس حيث كان شيخه نازلاً ... بعد ما نزل السيد السنوسي في وسط جبل أبي قبيس الذي كان خالياً من البيوت و السكان.. كان سكناهم في عُشٍ من القش و الجريد و الخوص .. و قد أرهقهم الحر و المطر و البرد.. لذلك استخار الله تعالى في إقامة بناءٍ لأنهم كانوا يتحاشون إقامة المباني في الأماكن المرتفعة فوق سطح الكعبة المعظمة .. فرأى رضي الله عنه ما يشرح صدره للبناء.. فشرع في بناء المسجد بمساعدة إخوانه و تلاميذه في آخر عام 1243 هجري – 1828 ميلادي . كما أقام بجوار المسجد خلوات للإخوان الغرباء و المنقطعين من طلاب العلم و قد سُمِّيَ هذا المسجد و ما يتبعه بزاوية جبل أبي قبيس و هي أول زاوية أسسها الأستاذ الإمام محمد بن علي السنوسي .( إمارة الأدارسة باليمن .. و علاقتها بالحركة السنوسية )غادر الإمام ( أحمد بن إدريس ) الحجاز في سفينة شراعية عام 1242 هجري – 1826 ميلادي . نحو اليمن لنشر الدعوة الإسلامية و توعية المسلمين بأمور دينهم .. و خلال أربعة أعوام لم يترك الدروس و الوعظ و الإرشاد يوماً واحداً ...حتى عمَّ نفعه للخاص و العام ، و كان يقوم أيضاً بدور الإصلاح بين القبائل المتنازعة .. و أثناء ترحاله لنشر العلم و الدعوة إلى الله ؛ حط رحاله ببلدة ( أبي عريش ) و كان أمير تلك المنطقة هو الشريف ( علي بن حيدر بن حمود ) من الأشراف ، فأكرم نُزُل السيد ( بن إدريس ) و هيأ له كل أسباب الراحة و الإستقرار . و لذلك آثر الإقامة في بلدة ( صبيا ) بالقرب من أبي عريش ، و هناك اجتمعت عليه أممُ كثيرة ، و لقد غلب الجهل بالدين و الشرع على أكثر أحوال تلك الجهة ،و لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه و من المصحف إلا رسمه .. ولذلك كرس الإمام بن إدريس جهوده في المساجد و المجتمعات و في بيته حتى كونَّ نخبة مباركة ً من طلاب العلمِ حملوا الأمانة من بعده عملاً بكتاب الله و بالتي هي أحسن ... و هناك وفد إليه تلميذه و خليفته ( محمد بن علي السنوسي ) من مقر إقامته بمكة مراراً .. و كان يُرتب له قافلةً من مكة تخرج على رأس كل شهر تحمل للشيخ بن إدريس ماء زمزم و كل ما هو ضروري لسيادته طيلة مُكثه في (صبيا ) و التي دامت تسعة أعوام ، و قد كانت وفاة الإمام ( بن إدريس ) في ( صبيا ) سنة 1253 هجري – 1837 – ميلادي . و لم يحضر السيد محمد بن علي السنوسي وفاة شيخه السيد ( أحمد بن إدريس ) و بعد وفاته رجع من كان معه من الإخوان إلى مكة. و ممن لحق بالإمام السنوسي بمكة و رافقوه في رجوعه إلى برقة و لازموه مدة حياته الشيخ محمد الشقيع و محمد بن عبد الله السٍني و أحمد أبو القاسم التواني و الشيخ عمر بو حوا الأوجلي . ثم استمر أحفاد الإمام أحمد بن إدريس في نشر العلم الشرعي .الأمير( محمد بن علي الإدريسي )مؤسس إمارة الأدارسة باليمنو لقد برز منهم على الساحة السياسية السيد ( محمد بن علي الإدريسي ) مؤسس إمارة الأدارسة باليمن .. فقد اشتغل بطلب العلم في ( صبيا باليمن ) ثم انتقل إلى الأزهر بالقاهرة و أتم فيه دراسته الشرعية ، ثم ارتحل إلى واحة الجغبوب بليبيا و منها إلى الكُفرة حيث إقامة الإمام ( محمد المهدي السنوسي ) فزاره بها و مكث عنده مدة يتتلمذ على يديه ..ثم عاد إلى صعيد مصر حيث زار أبناء عمومته آل السيد ( عبد العال الإدريسي ) بمنطقة ( الزينية ) ثم كانت عودته إلى مسقط رأسه باليمن عام 1323 هجري – 1905 – ميلادي . و كانت عودته بطلبٍ مُلحٍ و سريع من والده و مُريديه و مُحبيه و شيوخ القبائل .. و بعد وصوله بقى مع والده قرابة عامٍ و نصف ، ثم تُوْفي والده ( علي بن محمد بن أحمد بن إدريس ) . قام بعد ذلك السيد محمد مقام والده بالدعوة إلى الله و الإرشاد .. فغار منه الأتراك الموجودون بمنطقة ( جيزان و عسير و الحُدَيدة ) و أرادوا الكيد به و إلقاء القبض عليه و من ثَمَّ إرساله إلى استانبول مركز الخلافة .. فحال دونه أهل تِهامة قاطبةً و حاربوا الأتراك حتى أجلوهم من تلك الجهة ... و أقاموا السيد ( محمد بن علي الإدريسي ) أميراً عليهم ، و بذلك تأسست الإمارة الإدريسية و توسعت حتى بلغت نجران و الحُدَيدة و عسير .. و حتى قُرب منطقة القُنفدة من ناحية مكة .. و لذلك تضايق من اتساع نفوذ الإمارة الإدريسية كل ُمن إمام اليمن و أمير مكة .. هذا و قد استمرت إمارة الإمام ( محمد الإدريسي ) أربعة عشر عاماً ثم كانت وفاته سنة 1341 هجري – 1923 – ميلادي . فتولى إبنه الأكبر ( علي بن محمد الإدريسي ) و بقي في الإمارة ثلاثة أعوام ..ثم تنازل لعمه ( الحسن بن علي الإدريسي ) و الذي استمرت إمارته سبعة أعوام ..ثم ما لبثت إمارة الأدارسة في اليمن أن اضمحلت بعد عدة عوامل يطول شرحها و يضيق بنا المقام لسردها.. فهاجر بعدها السيد ( الحسن الإدريسي ) و كافة العائلة الإدريسية باليمن إلى مكة و هم الآن مقيمون بها و هم فَرْعُ السادة الأدارسة باليمن . نفع الله بهم و جعلهم شجرة صلاح و فلاح مباركة إلى يوم الدين.